العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٤ - يوم مقتل الحارق بن ظالم بالخربة
و حلمه شيب القذال عن الصّبا # و للشيب عن بعض الغواية زاجر [١]
فأقصر جهلي اليوم و أرتدّ باطلي # عن اللهو لمّا ابيضّ مني الغدائر
على أنه قد هاجه بعد صحوة # بمعرض ذي الآجام عس بواكر [٢]
و لما دنت من جانب الغوط أخصبت # و حلّت فلاقاها سليم و عامر
و خبّرها الركبان أن ليس بينها # و بين قرى بصرى و نجران كافر
فألقت عصاها و استقرّت بها النّوى # كما قرّ عينا بالإياب المسافر [٣]
فاستعار هذا البيت الأخير من المعقر البارقي، و لا أحسبه استجاز ذلك إلا لاستعمال العامة له و تمثلهم به.
يوم مقتل الحارق بن ظالم بالخربة [٤]
قال أبو عبيدة: لما قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر الكلابي، أتى صديقا له من كندة فالتف عليه، فطلبه الملك فخفى ذكره حتى شخص من عند الكندي، و أضمرته [٥] البلاد حتى استجار بزياد أحد بني عجل بن لجيم، فقام بنو ذهل بن ثعلبة و بنو عمرو بن شيبان فقالوا لعجل: أخرجوا هذا الرجل من بين أظهركم، فإنه لا طاقة لنا بالشهباء و دوسر-و هما كتيبتان للأسود بن المنذر-و لا بمحاربة الملك فأبت ذلك عليهم عجل، فلما رأى ذلك الحارث بن ظالم كره أن تقع بينهم فتنة بسببه، فارتحل من بني عجل إلى جبلي طيء، فأجاروه، فقال في ذلك:
لعمري لقد حلّت بي اليوم ناقتي # على ناصر من طيّىء غير خاذل
فأصبحت جارا للمجرّة فيهم # على باذخ يعلو يد المتطاول [٦]
إذا أجا لفّت عليّ شعابها # و سلمى فأنّى أنتم من تناولي [٧]
[١] القذال: جماع مؤخر الرأس
[٢] العيس: الإبل
[٣] الإياب: العودة و الرجوع.
[٤] الخربة: مما يلي ضربة
[٥] أضمرته: أهزلته و أضعفته
[٦] المجرّة: مجموعة كبيرة من النجوم.
[٧] أجأ و سلمى: جبلان عن يسار سميراء و بينهما سير ليلتين.