العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢٤ - فضائل الشعر
و قال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده: روّهم الشعر، روّهم الشعر: يمجدوا و ينجدوا! و قالت عائشة: روّوا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم.
و بعث زياد بولده إلى معاوية، فكاشفه عن فنون من العلم فوجده عالما بكل ما سأله عنه، ثم استنشده الشعر، فقال: لم أرو منه شيئا!فكتب معاوية إلى زياد؟ما منعك أن تروّيه الشعر؟فو اللّه إن كان العاق [١] ليرويه فيبرّ، و إن كان البخيل ليرويه فيسخو، و إن كان الجبان ليرويه فيقاتل.
و كان علي رضي اللّه عنه إذا أراد المبارزة في الحرب أنشأ يقول:
أيّ يوميّ من الموت أفرّ # يوم لا يقدر أم يوم قدر
يوم لا يقدر لا أرهبه # و من المقدور لا ينجو الحذر
و قال المقداد بن الأسود: ما كنت أعلم أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أعلم بشعر و لا فريضة من عائشة رضي اللّه عنها! و في رواية الخشني عن أبي عاصم عن عبد اللّه بن لا حق عن ابن أبي مليكة قال:
قالت عائشة: رحم اللّه لبيدا كان يقول:
قضّ اللّبانة لا أبا لك و اذهب # و الحق بأسرتك الكرام الغيّب [٢]
ذهب الذين يعاش في أكنافهم # و بقيت في خلف كجلد الأجرب [٣]
فكيف لو أدرك زماننا هذا!ثم قالت: إني لأروي ألف بيت له، و إنه أقل ما أروي لغيره.
و قال الشعبي: ما أنا لشيء من العلم أقلّ مني رواية للشعر، و لو شئت أن أنشد شعرا شهرا لا أعيد بيتا لفعلت.
[١] العاق: الذي استخف بأبيه و عصاه و ترك الإحسان اليه.
[٢] اللبانة: الحاجة.
[٣] الأجرب: الذي أصابه الجرب.