العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١٠ - يوم عين أباغ
زيد فمكّنه النعمام، ثم سعي بينهما فحبسه حتى أتى على نفسه، و هو القائل:
أبلغ النّعمان عني مألكا # أنه قد طال حبسي و انتظاري
لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصّان بالماء اعتصاري [١]
و عداتي شمّت أعجبهم # أنّني غيّبت عنهم في إساري
لامرئ لم يبل مني سقطة # إن أصابته ملمّات العثار [٢]
فلئن دهر تولى خيره # و جرت بالنّحس لي منه الجواري
لبما منه قضينا حاجة # و حياة المرء كالشّيء المعار
فلما قتل النعمان عديّ بن زيد العبادي-و هو من بني امرئ القيس بن سعد بن زيد مناة بن تميم-سار ابنه زيد بن عدي إلى كسرى فكان من تراجمته و كان النعمان عند كسرى، فحمله عليه، فهرب النعمان حتى لحق ببني رواحة من عبس، و استعمل كسرى على العرب إياس بن قبيصة الطائي، ثم إن النعمان تجول حينا في أحياء العرب، ثم أشارت عليه امرأته المتجردة أن يأتي كسرى و يعتذر إليه، ففعل، فحبسه بساباط [٣] حتى هلك، و يقال أوطأه الفيلة.
و كان النعمان إذا شخص إلى كسرى أودع حلقته و هي ثمانمائة درع و سلاحا كثيرا، هانئ بن مسعود الشيباني، و جعل عنده ابنته هند التي تسمى حرقة، فلما قتل النعمان قالت فيه الشعراء، فقال فيه زهير بن أبي سلمى المزنيّ:
أ لم تر للنّعمان كان بنجوة # من الشرّ لو أنّ امرأ كان باقيا [٤]
فلم أر مخذولا له مثل ملكه # أقلّ صديقا أو خليلا موافيا
خلا أنّ حيّا من رواحة حافظوا # و كانوا أناسا يتّقون المخزيا [٥]
فقال لهم خيرا و أثنى عليهم # و ودّعهم توديع أن لا تلاقنا
[١] شرق: غصّ.
[٢] العثار: الشرّ.
[٣] ساباط: بالمدائن.
[٤] النجوة: الارتفاع عن الأرض.
[٥] رواحة: من عبس