العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٣ - الفجار الآخر
الفجار الآخر
و هو بين قريش و كنانة كلها و هوازن، و إنما هاجها البرّاض بقتله عروة الرّحال ابن عتبة بن جعفر بن كلاب، فأبت أن تقتل بعروة: البراض، لأن عروة سيد هوازن، و البراض خليع من بني كنانة، أرادوا أن يقتلوا به سيدا من قريش.
و هذه الحروب كانت قبل مبعث النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بست و عشرين سنة و قد شهدها النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و هو ابن أربع عشرة سنة مع أعمامه. و قال النبي عليه الصلاة و السلام: كنت أنبل على أعمامي يوم الفجار و أنا ابن أربع عشرة سنة يعني أنا و لهم النبل.
و كان سبب هذه الحرب أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة كان يبعث[إلى]سوق عكاظ في كل عام لطيمة [١] في جوار رجل شريف من أشراف العرب، يجيرها له حتى تباع هناك و يشترى له بثمنها من أدم الطائف ما يحتاج إليه، و كانت سوق عكاظ تقوم في أول يوم من ذي القعدة، فيتسوّقون إلى حضور الحج، ثم يحجون، و كانت الأشهر الحرم أربعة أشهر: ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرم، و رجب، و عكاظ بين نخلة و الطائف، و بينها و بين الطائف نحو من عشرة أميال، و كانت العرب تجتمع فيها للتجارة و التّهيّؤ للحج، من أول ذي القعدة إلى وقت الحج، و يأمن بعضها بعضا، فجهز النعمان: عير اللطيمة، ثم قال: من يجيرها؟فقال البراض بن قيس الضّمري: أنا أجيرها على بني كنانة. فقال النعمان ما أريد إلا رجلا يجيرها على أهل نجد و تهامة. فقال عروة الرحّال، و هو يومئذ رجل هوازن: أكلب خليع يجيرها لك؟ أبيت اللعن أنا أجيرها لك على أهل الشيح [٢] و القيصوم [٣] من أهل نجد و تهامة!فقال البراض: أعلى بني كنانة تجيرها يا عروة؟قال: و على الناس كلهم!فدفعها النعمان إلى عروة، فخرج بها و تبعه البراض، و عروة لا يخشى منه شيئا، لأنه كان بين ظهراني
[١] اللطيمة: عير تحمل المسك و البزّ و غيرهما للتجارة. أو وعاء المسك.
[٢] الشيح: نبات يتخذ من بعضه المكانس
[٣] القيصوم: نبات طعمه مر و رائحته طيبة، و ورقه هدب و له نورة صفراء و هي تنهض على ساق.