المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٦٨ - ٤٢٥٧- يحيى بن محمد أبو المظفر ابن هبيرة الوزير
و أوثقني ثم أخذ من كل واحد شيئا و أطلقه ثم قال لي أيش بيدك؟ فقلت ما معي شيء فانتهرني و قال اذهب. و انا لا أريد [اليوم] [١] أذاه و أبغض رؤيته.
و كان آخر قد آذاه في ذلك الزمان و ضربه فلما ولي الوزارة أحضره و أكرمه و ولاه.
و كان يتحدث بنعم اللَّه عليه و يذكر في منصبه شدة فقره القديم فيقول نزلت يوما الى دجلة و ليس معي رغيف اعبر به. و كان يكثر مجالسة العلماء و الفقراء و كانت أمواله مبذولة لهم ٨٤/ أ و للتدبير فكانت السنة تدور/ و عليه ديون.
و قال: ما وجبت علي زكاة قط و كان إذا استفاد شيئا قال أفادنيه فلان حتى انه عرض له يوما حديث و هو: «من فاته حزبه بالليل فصلاه قبل الزوال كان كأنه صلاه بالليل».
فقال: ما ادري ما معنى هذا فقلت له هذا ظاهر في اللغة و الفقه أما اللغة: فإن العرب تقول: كنت الليلة الى وقت الزوال، و أما الفقه: فان أبا حنيفة يصحح الصوم بنية قبل الزوال فقد جعل ذلك الوقت في حكم الليل فأعجبه هذا القول و كان يقول بين الجمع الكثير ما كنت اعرف ما معنى هذا الحديث حتى عرفنيه فلان فكنت استحيي من الجماعة. و جعل لي مجلسا في داره كل جمعة يحضره و يطلق العوام في الحضور و كان بعض الفقراء يقرأ القرآن في داره فأعجبه فقال لزوجته اني أريد أن أزوجه ابنتي فغضبت الام و منعت من ذلك.
و كان يقرأ عنده الحديث في كل يوم بعد العصر فحضر فقيه مالكي فذكرت مسألة فخالف فيها ذلك الفقيه فاتفق الوزير و جميع العلماء على شيء و ذلك الفقيه [٢] يخالف فبدر من الوزير أن قال له أ حمار أنت أما ترى الكل يخالفونك و أنت مصر. فلما كان في اليوم الثاني قال الوزير للجماعة جرى مني بالأمس ما لا يليق بالأدب حتى قلت له تلك [الكلمة] [٣] فليقل لي كما قلت له فما أنا إلا كأحدكم، فضج المجلس [٤] بالبكاء و أخذ
[١] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٢] في ت، ص: «و ذلك الرجل».
[٣] في الأصل: «قلت له ذلك، فليقل».
[٤] في ص، ت: «فعج الخلق».