الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٦٣ - عقدة الحقارة
إن الأعور أو المجذوم يتألم في باطنه ويحس بالحقارة ، فلو أن أحداً أطال النظر إلى عضوه الناقص كان ذلك سبباً في زيادة حزنه وشعوره بالضعة. وكذا الأصم أو ضعيف السمع فإنه يتألم في نفسه ويحس بنقص كبير ، فلو كلمه المتكلم بلهجة شديدة زاد تألمه أما لو كلمه بطلاقة وجه وابتسام ، رافعاً صوته لإسماعه من غير أن يزجره ، فذلك يترك أثراً طيباً في نفسه ، أو يقلل من تأثره الشديد.
... وقد عرّف الإمام الصادق عليهالسلام هذا الفعل بالصدقة الهنيئة.
٥ ـ عن أبي جعفر عليهالسلام ، قال : « كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه ، أو يعيّر الناس بما لا يستطيع تركه ، أو يؤذي خليله بما لا يعنيه » [١].
إن النظر الدقيق المؤذي الى نقائص الناس لا نفع فيه ، لكنه يسبب في ذي البلاء تضجراً وضغطاً روحياً وألماً. ومن عامل جليسه بهذه الصورة أظهر له بذلك سوء خلقه.
لقد ظهرت بقع بيضاء في وجه ( يونس بن عمار ) أحد أصحاب الإمام الصادق عليهالسلام ، وآلمه ذلك ، إلا أنه كان يضيق ذرعاً بالكلمات المسمومة الصادبة من الناس تجاهه ، فقد كانوا يقولون له : لو كنت أهلا لفضل الله وكان الدين الحق بحاجة اليك لما ابتليت بهذا الداء. فتألم يونس من ابتلائه بالمرض وكذلك من تحقير الناس وإهانتهم إياه تألماً شديداً وجاء الى الإمام الصادق عليهالسلام وقال : ان هذا الذي ظهر بوجهي يزعم الناس أن الله لم يبتل به عبداً له فيه حاجة ، قال : فقال لي : لقد كان مؤمن آل فرعون مكنّع الأصابع فكان يقول هكذا ويمدّ يديه ويقول : يا قوم اتبعوا المرسلين » [٢].
في هذا الحديث نجد الإمام الصادق عليهالسلام يردّ على كلام الناس الركيك بجملة قصيرة ، ويفهم يونس بن عمار ضمناً أنه يتمكن ـ كمؤمن آل فرعون ـ أن يخدم شريعة الله ، وأن يكون داعية خير وصلاح بين الناس على ما هو عليه من النقص ... وطبيعي أن يخفف هذا الكلام من ألم الشعور بالحقارة فيه من جهة ، ويبعث فيه رجاء خدمة دين الله من جهة أخرى.
والنتيجة : ان العاهات والنقائص التي لا تقبل العلاج عامل كبير للشعور بالحقارة
[١] الكافي لثقة الإسلام الكليني ج٢|٤٥٩.
[٢] المصدر السابق ج٢|٢٥٩.