الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٩ - مسؤولية الوالدين في تربية الطفل ـ الوفاء بالعهد
من دون ذنب ولكن أرجوك ان تسمح لي بالذهاب الى اهلي هذه الليلة لأودعهم وأوصيهم بوصاياي واؤدي حقوق الناس وسأحضر عندك غداً صباحاً. يقول عنبسة : لقد استغربت من هذا الطلب الذي توجه به المتهم فلم أجبه ، فكرّر عليّ السؤال ، حتى أثر كلامه في نفسي ، وخطر ببالي أن أتوكل على الله وأنزل عند رغبته فصممت على ذلك وقلت له : اذهب ولكن يجب أن تعاهدني على الرجوع غداً ، فقال الرجل : عاهدتك على أن أحضر غداً صباحاً وأشهد الله على هذا العهد ، ثم ذهب حتى غاب عن عيني. ولكن ما إن رجعت الى نفسي حتى اضطربت اضطراباً شديداً وندمت على ما فعلت فقد عرّضت نفسي لغضب الحجاج من دون سبب ، ولازمني الاضطراب حتى ذهابي الى البيت فذكرت ذلك لأهلي فلاموني ... ولكن لات حين لوم.
لم أنم تلك الليلة ، كنت أتململ كالسليم ، وأتقلب كالثكلى ، وعند الصباح وفى الرجل بعهده فتعجبت من مجيئه وقلت له : لماذا حضرت؟ قال : من آمن بالله واعتقد قدرته وعظمته وعاهد على أمر وجعل الله شهيداً على عهده فلا يخلف عهده. فأخذته الى قصر الامارة في الساعة المقررة وذكرت للحجاج ما جرى بيني وبينه الليلة السابقة ، فتعجب من ايمان الرجل ووفاءه بعهده ، ثم قال لعنبسة : أتريد أن أعفو عنه لأجلك فقال : لو تتكرم عليّ بذلك فلك المنة العظيمة ، فعفا الحجاج عن المتهم وأخرجه عنبسة من دار الامارة وقال له بكل لطف ولين : اذهب فأنت حر.
فذهب الرجل دون أن يشكر لعنبسة جميل صنعه ويقابل إحسانه بالإحسان. فتألم عنبسة من هذه البرودة ، وهذا التنكر للحق ، وقال في نفسه : لعله مجنون.
وفي اليوم الثاني حدث ما لم يكن بالحسبان فقد حضر الرجل عند عنبسة وشكره على انقاذه من الورطة التي وقع فيها. ثم قال له : إن المنقذ الحقيقي هو الله تعالى وكنت أنت الواسطة في ذلك. فلو كنت أشكرك بالأمس على إحسانك كنت قد أشكرتك بالله في النعمة التي أنعم بها عليّ وهذا ليس بمستحسن ، فرأيت من اللازم أن أذهب لأداء واجب الشكر والحمد بين يدي الله تعالى أولاً ، ثم أحضر لتوجيه الشكر لك. ثم شكر لعنبسة جميل صنعه وإحسانه واعتذر منه كثيراً وانصرف [١].
[١] جوامع الحكايات ج١|٧١.