الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٤١ - تدريب الطفل على الصدق
والآخرين أحياناً ـ إلى نفسه ، أن يدخلوه في حسابهم ، ويعترفوا بشخصيته ... وهكذا يستغل الفرص المختلفة للوصول الى هدفه.
عندما يكون الوالدان مشغولين باكرام بعض الضيوف المحترمين ، ويصرفان كل اهتمامها الى العناية بهم غافلين عن الطفل ... يقدم الطفل على الأعمال غير الإعتيادية ، يطرق الباب بقوة ، يقلب إناء الفواكه ، ويبعثر الفواكه على الأرض ، يصيح بأعلى صوته ، يضرب أمه ، وبصورة موجزة يقوم بأعمال تجلب انتباه الوالدين والضيوف إليه. إن الطفل لا يقصد من هذه الأعمال غير جلب انتباه الأخرين ، انه يحتاج الى اظهار نفسه وابراز شخصيته ، يريد أن يقول : أنا أيضاً موجود ، انتبهوا لي ، إحسبوا لي حساباً.
الطفل يريد أن ينفذ الى قلوب الآخرين. وعندما لا يستجيب الوالدان لمتطلباته الطبيعية المتمثلة في احترام شخصيته ، يسلك طريقاً معوجاً ، وينفذ الى قلوب الآخرين بالفوضى والشغب والايذاء.
من الأعمال الخطيرة التي يقدم عليها أمثال هؤلاء الأطفال : الكذب. الطفل الذي لم يلاق احتراماً في الأسرة ولم يُعتن بشخصيته ، الطفل الذي يُهمل ويُحتقر ويعيش حياة ملؤها الحرمان والإخفاق ، تكون لذته العظمى إظهار شخصيته وجلب انتباه الآخرين. إنه لا يستطيع أن يجلب إهتمام الناس نحوه بالصدق وبيان الحقائق ، فيضطر إلى الكذب ، واختلاق قضايا مدهشة ، وكذبات تحير الأذهان لعدة دقائق ، وتبعث القلق والحيرة في أعضاء الأسرة ... يتصنع الاضطراب والذهول فيصيح : إلتهمت النيران دار عمي! سقطت أختي في الساحة القريبة من بيتنا تحت عجلات السيارة!
عندما يركض أعضاء الأسرة ـ رجالاً ونساءً ـ نحو الحادث وقد علاهم الإرتباك والإضطراب ، ينتعش الطفل الكذاب ، يتلذذ لأن كلامه أوجد هذا الاضطراب ، والإهتمام ... إنه يفرح لأنه خدع أعضاء الأسرة وشفى قلبه مما كان يلاقيه منهم من احتقار وسخرية.
إن السلوك السيء للوالدين هو الذي يدعو الطفل إلى الكذب ، وإن الأعمال التافهة لهما هي التي تؤدي إلى هذا الانحراف.