الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٣٠ - تنمية الإيمان في نفس الطفل
الحقائق غير القابلة للقياس :
ينبغي أن نقدم أمام البحث تمهيداً بيسّر لنا الدخول إلى صلب الموضوع. إن الحقائق التي توجد في العالم يمكن تقسيمها تقسيماً علمياً الى طائفتين : الطائفة الأولى ـ وتشمل الموجودات التي استطاع العلماء من قياسها بالوسائل والآلات الدقيقة والقوية في ظل التقدم العلمي الذي يحرزه الإنسان يوماً بعد يوم ، وإخراج نتائج تلك الموازنات بصورة أرقام مضبوطة أو تقريبية. والطائفة الثانية ـ تشمل الحقائق الموجودة الأخرى التي لا يملك العلم البشري مقدرة علمية تجريبية عليها ، فهي لا تخضع للقياس ، ولا يستطيع العلماء من مقايستها بواسطة مقاييس مضبوطة. أن عدد الحقائق التي لا تقبل القياس العلمي في جميع الموجودات بصورة عامة وفي تكوين الإنسان بصورة خاصة كبيرة جداً ويرى العلماء والباحثون ان تلك الحقائق أهم بكثير من الحقائق القابلة للقياس.
|
|
« ... ولقد جلب الكم ، المعبر عنه باللغة الحسابية ، العلم للانسانية في حين أهمل النوع .. ولقد كان تجريد الأشياء من صفاتها الأولية أمراً مشروعاً ، ولكن التغاضي عن الصفات الثانوية لم يكن كذلك .. فالأشياء غير القابلة للقياس في الإنسان أكثر أهمية من تلك التي يمكن قياسها .. فوجود التفكير هام جداً مثل التعادل الطبيعي ـ الكيميائي لمصل الدم » [١]. |
فالسل والسرطان مثلا مرضان خطيران ، وداءان وبيلان للانسان. كل واحد منهما يكفي لاضعاف المصاب به ، ونحول جسده ، وتدمير حياته. لقد اكتشف الأطباء جميع الأعراض المميزة لهذين المرضين بالأدوات والوسائل العلمية ، وتوصلوا الى طرق الوقاية منهما في المختبرات بفضل الأجهزة الدقيقة ، فاستطاعوا من معرفة انتشار المرض ، والظروف المساعدة لذلك ، والخسائر التي يتضمنها ، وكلّ ما يرتبط به بصورة مضبوطة.
والحسد أيضاً داء خطير كالسل والسرطان ، وربما كان الضرر الناشيء منه أشد من الأضرار الناشئة من ذينك المرضين بكثير ، إذ أنه يترك آثاراً سيئة على جسد المصاب به
[١] الإنسان ذلك المجهول ص ٢١٤.