الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٩ - تدريب الطفل على الصدق
٥ ـ عن الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام : « إن للقلوب إقبالاً وإدباراً. فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل ، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض » [٥].
يظن بعض الآباء والأمهات الجهلاء أن عليهم في سبيل تربية أطفالهم تربية دينية أن يحملوهم فوق طاقتهم ، ويكلفوهم بأداء النوافل ، ويوصومهم باحياء الليل وقراءة القرآن والأدعية المأثورة ، ويتصورون أنهم يحسنون صنعاً بذلك. يقولون له : لا تنس قراءة جزء من القرآن بعد صلاة الصبح! لا تترك دعاء كميل في ليالي الجمعة! اقرأ الذكر الفلاني ألف مرة يومياً ... وامثال ذلك. إن هؤلاء غافلون عن أن هذه التكاليف الشديدة ليست مرغوباً فيها في الإسلام فقط ، بل انهم بعملهم هذا يجعلون الولد ينظر الى الدين نظرة ملؤها التشاؤم ، ويؤججون نار البعد عن الإسلام في قلبه ... هذا مضافاً إلى أن الولد سيقع في مأزق حرج ، فإن الإتيان بجميع تلك النوافل والعبادات المستحبة بصورة مستمرة مما لا يتحمل عادة ، ومن جهة أخرى فإنه يخاف من استياء والديه ويحذر من إزعاجهما ، ولذلك فإنه يلجأ الى الكذب ، فبينما ينام الليل الى الصباح يحاول إرضاء والديه فيدعي كذباً أنه أحيي الليلة حتى الصباح ، وصلى كذا ركعات ، وقرأ كذا من القرآن ... الخ.
لو كان الوالدان يعملان بنصيحة الرسول الأعظم ( ص ) حيث يقول : « يقبل ميسوره ، ويتجاوز من معسوره » ولم يكونا يحمّلان الولد فوق طاقته من العبادات لم ينشأ على الكذب والتشاؤم نحو الدين.
يجب على الآباء والامها ـ بالإضافة إلى العناية بالنواحي العلمية والدينية ـ أن يقيسوا القابليات الوسطى للأطفال ، ولا يحملوهم فوق ما يطيقون ، لأن الطفل يخاف من إغضاب والديه ، ويحاول أن لا يعرفه المربي بالكسل وعدم الكفاءة. وعندما يعجز عن أداء العمل الذي يفوق طاقته ومقدرته يلجأ في سبيل الحفاظ على شخصيته الى الكذب ، ويتكرر هذه الحالات ينشأ كذاباً. نستنتج مما تقدم أن أحد العوامل المؤثرة في تعود الطفل على الكذب هو تكليفه بالأعمال التي تفوق مقدرته وإجباره على أداء ما لا يطيق.
[٥] غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص ٢٥١.