الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ١٦
كلمة (يطهّرها) في كلام السائل في الرواية الاولى، وهو يكشف عن أنّ نجاسة البئر بالملاقاة مفروغ عنها عنده وأقرّه الإمام على ذلك، حيث بيّن مطهّرها وهو نزح دلاء يسيرة، وفي كلام الإمام في الرواية الثانية حيث قال عليه السلام: «فإنّ ذلك يطهّرها»، وهو صريح في النجاسة بوقوع شيء من النجاسات المذكورة فيها، وأنّ النزح يطهّرها [١].
وقد اجيب عن هذه الأخبار عموماً بلزوم حملها على الاستحباب؛ للأمارات الكثيرة، كما سيأتي.
كما اجيب عن خصوص رواية محمّد ابن إسماعيل- مضافاً إلى ذلك- بأنّ دلالتها ليس إلّامن باب التقرير بضميمة أصالة عدم الخوف في الردع بالكتابة، وهو معارض بظهور قوله عليه السلام: «ينزح دلاء» في كفاية مطلق النزح، مع أنّه غير قابل للالتزام عند القائلين بالنجاسة، فيتعيّن حمل الجملة الخبريّة على الاستحباب.
وعن الأخيرة بأنّها وإن كانت دلالتها أظهر من الاولى لوقوع كلمة (يطهّرها) في كلام الإمام، إلّاأنّ الأمر فيها بنزح الدلاء أظهر في الاستحباب؛ وذلك لكونه في مقام البيان، فيبعد حملها على بيان نوع المطهّر وإحالة تفصيل الحكم في كلّ واحد من النجاسات المذكورة في الرواية إلى مقام آخر، ولا يمكن الالتزام أيضاً بكفاية مطلق النزح في حصول الطهارة، فالأولى حمل لفظ التطهير فيه على إرادة إزالة القذارة والنفرة الحاصلة من وقوع تلك الأشياء [٢].
نعم، هناك بعض الأخبار قد يدّعى أنّها تدلّ بمفهومها على التنجس فيما إذا وقع فيه ما له نفس سائلة، كصحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عمّا يقع في الآبار، فقال: «أمّا الفأرة وأشباهها فينزح منها سبع دلاء... وكلّ شيء وقع في البئر ليس له دم مثل العقرب والخنافس وأشباه ذلك فلا بأس» [٣].
إلّاأنّها معارضة بما هو أقوى منها من الصحاح الدالّة على عدم انفعال البئر [٤].
هذا، وقد رجّح الفقهاء الروايات الدالّة على الطهارة وعدم الانفعال لقرائن كثيرة.
قال الشيخ الأنصاري- بعد نقل الأخبار الدالّة على عدم الانفعال-: «فهذه أخبار اثنا عشر بين صريح في المطلوب [أي عدم النجاسة] وظاهر فيه، ولو قُدّرت معارضة ظواهرها بظواهر ما تقدّم من أخبار النجاسة كان الواجب على المنصف ترجيح هذه عليها.
هذا كلّه مضافاً إلى مخالفة أخبارنا [أخبار الطهارة] للعامّة وموافقتها لعمومات طهارة الماء، واستلزام العمل
[١] التنقيح في شرح العروة (الطهارة) ١: ٢٩٤.
[٢] الطهارة (تراث الشيخ الأعظم) ١: ١٩٨- ١٩٩.
[٣] الوسائل ١: ١٨٥، ب ١٧ من الماء المطلق، ح ١١.
[٤] كما في قول أبي الحسن الرضا عليه السلام في صحيح محمّد ابن إسماعيل بن بزيع: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلّاأن يتغيّر ريحه أو طعمه...». الوسائل ١: ١٧٢، ب ١٤ من الماء المطلق ح ٧. وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن بئر ماء وقع فيها زبيل من عذرة رطبة أو يابسة، أو زبيل من سرقين، أيصلح الوضوء منها؟ قال: «لا بأس». الوسائل ١: ١٧٢، ب ١٤ من الماء المطلق، ح ٨.