دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٩٨
أَنْ لَا طَاقَةَ لَنَا بِهَا، قَالَ: تَبَاعَدُوا عَنْهَا، فَتَبَاعَدْنَا فَطَرَحَ ذَيْلَ بُرْدَتَهُ[١] عَلَى عَاتِقِهِ، وَ جَعَلَ كَفَّهُ تَحْتَ الصَّحْفَةِ وَ شَالَهَا إِلَى مَنْكِبِهِ، وَ جَعَلَ يَجْرِي[٢] بِهَا كَمَا يَنْحَدِرُ سَحَابٌ فِي[٣] صَبَبٍ[٤] فَوَضَعَ الصَّحْفَةَ بَيْنَ أَيْدِي الْمُنَافِقِينَ، وَ كَشَفَ الْغِطَاءَ عَنْهَا، وَ الصَّحْفَةُ عَلَى حَالِهَا لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا، وَ لَا خَرْدَلَةٌ وَاحِدَةٌ، بِبَرَكَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَلَمَّا نَظَرَ الْمُنَافِقُونَ إِلَى ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَ أَقْبَلَ الْأَصَاغِرُ عَلَى الْأَكَابِرِ وَ قَالُوا: لَا جُزِيتُمْ عَنَّا خَيْراً، أَنْتُمْ صَدَدْتُمُونَا عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَنَا، تَصُدُّونَّا عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ، وَ لَا بَيَانَ أَوْثَقُ مِمَّا رَأَيْنَا، وَ لَا شَرْحَ[٥] أَوْضَحُ مِمَّا سَمِعْنَا؟!
وَ أَنْكَرَ الْأَكَابِرُ عَلَى الْأَصَاغِرِ، فَقَالُوا لَهُمْ: لَا تَعْجَبُوا مِنْ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا قَلِيلٌ مِنْ سِحْرِ مُحَمَّدٍ.
فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ مَقَالَتَهُمْ حَزِنَ حُزْناً شَدِيداً، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: كُلُوا، لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بُطُونَكُمْ. فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَلْتَقِمُ اللُّقْمَةَ مِنَ الصَّحْفَةِ وَ يَهْوِي بِهَا إِلَى فِيهِ، فَيَلُوكُهَا لَوْكاً شَدِيداً، يَمِيناً وَ شِمَالًا، حَتَّى إِذَا هَمَّ بِبَلْعِهَا خَرَجَتِ اللُّقْمَةُ مِنْ فِيهِ، كَأَنَّهَا حَجَرٌ.
فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَجُّوا بِالْبُكَاءِ وَ النَّحِيبِ، وَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ. قَالَ النَّبِيُّ: يَا مُحَمَّدُ! قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ. قَالَ النَّبِيُّ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ النَّبِيُّ:
لَبَّيْكُمْ.
وَ كَانَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِذَا نُودِيَ بِاسْمِهِ يَا أَحْمَدُ يَا مُحَمَّدُ، أَجَابَ بِهِمَا، وَ إِذَا نُودِيَ بِكُنْيَتِهِ، أَجَابَ بِهَا، وَ إِذَا نُودِيَ بِالرِّسَالَةِ وَ النُّبُوَّةِ[٦] أَجَابَ بِالتَّلْبِيَةِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ: مَا الَّذِي تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، التَّوْبَةَ التَّوْبَةَ، مَا نَعُودُ- يَا مُحَمَّدُ
[١] في« ع، م»: فتباعد النّاس و طرح النّبيّ ذيله.
[٢] في« ع، م»: يخمّر.
[٣] في« ع، م»: كما يقلع صحاف ينحدر من.
[٤] الصبب: الموضع المنحدر« النّهاية ٣: ٣».
[٥] في« ط»: شرع.
[٦] في« ع، م»: نودي بالنّبوّة.