دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ١٠
الموتى بعيسى (عليه السلام)، و نظائرها كثيرة، و إذا كانت نبوّة خاتم الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد عزّزت بالمعجزة الخالدة الكبرى، القرآن الكريم، الذي تحدّى و لا يزال و يبقى يتحدّى الإنس و الجنّ أن يأتوا بسورة من مثله فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ[١] إذا كان كذلك فليس هو المعجزة الوحيدة له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل إنّ المعاجز قد رافقت حياته الشريفة على امتدادها، فكم حدّثتنا الأخبار الصحاح عن نبوع الماء من بين أصابعه المباركة حتّى يستقي منه الجيش الكبير و رواحله[٢]، و كم وضع يده الكريمة على طعام قليل فأشبع الجمع الكثير[٣]، و حادثة الهجرة الشهيرة و خروجه من بين رجال العصابة التي أحاطت بداره عازمة على قتله، و نثره التراب على رءوسهم و هم لا يبصرون و لا يشعرون به حتّى طلع عليهم الصبح[٤]، و أشياء كثيرة امتلأت بها كتب السيرة النبويّة المفصّلة، فكانت المعاجز ترافقه شواهد و دلائل على نبوّته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
٣- الاستقامة و سلامة النشأة:
لمّا كان النبيّ مصدر الهداية، فلا بدّ أن يكون موضع الطمأنينة التامّة، و لا يكون كذلك إلّا إذا تميّز بالاستقامة و الطّهر مدّة حياته و منذ نشأته الأولى، فلا يخالطه نقص، و لا يشوب سيرته ذمّ أو لوم، و لا يدنو منه عمل مشوم و لا قول ملوم، مجبول على النزاهة و سلامة النفس و براءة العرض من الرجس و الدّنس، و كأنّ الصفات الدنيئة تخالف طبعه و تغايره بالكلّيّة، فهو مجبول على الفضيلة و مكارم الأخلاق و معالي الهمم، مسدّد في خطاه، متّزن في قوله و فعله، و هذه هي العصمة التي تلطّف بها اللّه (تعالى) على صفوته من خلقه، فاصطنعهم لنفسه، و أحاطهم بعنايته، فنشئوا بعينه و رعايته، مثلا أعلى يجتمع فيه كلّ محمود من الخصال، و لا يدانيه ما يخدش في علوّ منزلته.
[١] هود ١١: ١٤.
[٢] دلائل النبوّة ٦: ٧.
[٣] مناقب ابن شهرآشوب ١: ١٢٠- ١٣٢، دلائل النبوّة ٦: ١٠١- ١٤٩.
[٤] دلائل النبوة ٢: ٤٧٠.