دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٣٤٢
فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، إِذْ جَاءَنِي حَبِيبٌ الْأَحْوَلُ بِكِتَابٍ مَخْتُومٍ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، فَقَرَأْتُهُ، فَكَانَ فِي كِتَابِهِ: «إِذَا قَرَأْتَ الْكِتَابَ الصَّغِيرَ الْمَخْتُومَ، الَّذِي فِي جَوْفِ كِتَابِكَ، فَأَحْرِزْهُ حَتَّى أَطْلُبَهُ مِنْكَ».
قَالَ: فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ وَ أَدْخَلْتُهُ بَيْتَ بَزِّي[١]، فَجَعَلْتُهُ فِي جَوْفِ صُنْدُوقٍ مُقَفَّلٍ، فِي جَوْفِ قِمَطْرٍ[٢] مُقَفَّلٍ، وَ بَيْتُ الْبَزِّ مُقَفَّلٌ، وَ مَفَاتِيحُ هَذِهِ الْأَقْفَالِ فِي حُجْرَتِي، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلِ فَهِيَ تَحْتَ رَأْسِي، وَ لَيْسَ يَدْخُلُ بَيْتَ بَزِّي أَحَدٌ غَيْرِي.
فَلَمَّا حَضَرَ الْمَوْسِمَ خَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ وَ مَعِي جَمِيعُ مَا كَتَبَ لِي مِنْ حَوَائِجِهِ، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ قَالَ: يَا عَلِيُّ، مَا فَعَلَ الْكِتَابُ الصَّغِيرُ الَّذِي كَتَبْتُ إِلَيْكَ، وَ قُلْتُ احْتَفِظْ بِهِ؟
قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، عِنْدِي.
قَالَ: أَيْنَ؟ قُلْتُ: فِي بَيْتِ بَزِّي، قَدْ أَحْرَزْتُهُ، وَ الْبَيْتُ لَا يَدْخُلُهُ غَيْرِي.
قَالَ: يَا عَلِيُّ، إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ أَ لَيْسَ تَعْرِفُهُ؟
قُلْتُ: بَلَى، وَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ بَيْنَ أَلْفِ كِتَابٍ لَأَخْرَجْتُهُ. فَرَفَعَ مُصَلًّى تَحْتَهُ فَأَخْرَجَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: قُلْتُ: إِنَّ فِي الْبَيْتِ صُنْدُوقٌ، فِي جَوْفِ قِمَطْرٍ مُقَفَّلٍ، وَ فِي جَوْفِ الْقِمَطْرِ حُقٌّ مُقَفَّلٌ، وَ هَذِهِ الْمَفَاتِيحُ مَعِي فِي حُجْرَتِي بِالنَّهَارِ، وَ تَحْتَ رَأْسِي بِاللَّيْلِ؟
ثُمَّ قَالَ: يَا عَلِيُّ، احْتَفِظْ بِهِ، فَلَوْ تَعْلَمُ مَا فِيهِ لَضَاقَ ذَرْعُكَ.
قُلْتُ: قَدْ وَصَفْتُ لَكَ، فَمَا أَغْنَى إِحْرَازِي.
قَالَ عَلِيٌّ: فَرَجَعْتُ إِلَى الْكُوفَةِ وَ الْكِتَابُ مَعِي مُحْتَفَظٌ بِهِ فِي[٣] جُبَّتِي. فَكَانَ الْكِتَابُ مُدَّةَ حَيَاةِ عَلِيٍّ فِي جُبَّتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ جِئْتُ أَنَا وَ مُحَمَّدٌ[٤]، فَلَمْ يَكُنْ لَنَا هَمٌّ إِلَّا الْكِتَابُ، فَفَتَقْنَا الْجُبَّةَ مَوْقِعَ الْكِتَابِ، فَلَمْ نَجِدْهُ، فَعَلِمْنَا بِعُقُولِنَا أَنَّ الْكِتَابَ قَدْ صَارَ إِلَيْهِ كَمَا صَارَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى[٥].
[١] أي ثيابي« لسان العرب- بزز- ٥: ٣١١».
[٢] هو ما تصان فيه الكتب« لسان العرب- قمطر- ٥: ١١٧».
[٣] في« ع، م» زيادة: يد.
[٤] هما محمد و الحسن ابنا علي بن أبي حمزة، كما في المناقب.
[٥] الهداية الكبرى: ٢٦٧، مناقب ابن شهرآشوب ٤: ٣٠٤« نحوه»، اثبات الهداة ٥: ٥٦٩/ ١٣١، مدينة المعاجز: ٤٣٩/ ٤١.