دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٢٣٩
ثُمَّ بَعَثَهُ عَلَى حِمَارِهِ بِعَيْنِهِ وَ طَعَامِهِ وَ شَرَابِهِ، فَعَادَ إِلَى دَارِهِ وَ عَزْرَةُ أَخُوهُ لَا يَعْرِفُهُ، فَاسْتَضَافَهُ فَأَضَافَهُ، وَ بَعَثَ إِلَى وُلْدِ عَزْرَةَ وَ وُلْدِ وُلْدِهِ[١] وَ قَدْ شَاخُوا، وَ عُزَيْرٌ شَابٌّ فِي سِنِّ ابْنِ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَزَلْ عُزَيْرٌ يَذْكُرُ أَخَاهُ وَ وُلْدَهُ وَ قَدْ شَاخُوا، وَ هُمْ يَذْكُرُونَ مَا يَذْكُرُهُمْ[٢]، وَ يَقُولُونَ: مَا أَعْلَمَكَ بِأَمْرٍ قَدْ مَضَتْ عَلَيْهِ السِّنُونُ وَ الشُّهُورُ[٣]؟! وَ يَقُولُ لَهُ عَزْرَةُ وَ هُوَ شَيْخٌ ابْنُ مِائَةٍ وَ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ سَنَةً: مَا رَأَيْتُ شَابّاً فِي سَنِّ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ سَنَةً أَعْلَمُ بِمَا كَانَ بَيْنِي وَ بَيْنَ أَخِي عُزَيْرٍ أَيَّامَ شَبَابِي مِنْكَ، فَمِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ أَنْتَ أَمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ؟
فَقَالَ عُزَيْرٌ لِأَخِيهِ عَزْرَةَ: أَنَا عُزَيْرٌ، سَخِطَ اللَّهُ عَلَيَّ بِقَوْلٍ قُلْتُهُ بَعْدَ أَنِ اصْطَفَانِي وَ هَدَانِي، فَأَمَاتَنِي مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ بَعَثَنِي لِتَزْدَادُوا بِذَلِكَ يَقِيناً أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَ هَا هُوَ حِمَارِي وَ طَعَامِي وَ شَرَابِي الَّذِي خَرَجْتُ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، أَعَادَهُ اللَّهُ لِي كَمَا كَانَ، فَعِنْدَهَا أَيْقَنُوا[٤]، فَأَعَاشَهُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ خَمْساً وَ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ وَ أَخَاهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
فَنَهَضَ عَالِمُ النَّصَارَى عِنْدَ ذَلِكَ قَائِماً، وَ قَامَ النَّصَارَى عَلَى أَرْجُلِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ عَالِمُهُمْ:
جِئْتُمُونِي بِأَعْلَمَ مِنِّي وَ أَقْعَدْتُمُوهُ مَعَكُمْ حَتَّى يَهْتِكَنِي وَ يَفْضَحَنِي، وَ أَعْلَمُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ لَهُمْ مَنْ أَحَاطَ بِعُلُومِنَا وَ عِنْدَهُ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا، لَا وَ اللَّهِ لَا أُكَلِّمُكُمْ مِنْ رَأْسِي كَلِمَةً، وَ لَا قَعَدْتُ لَكُمْ إِنْ عِشْتُ سَنَةً.
فَتَفَرَّقُوا وَ أَبِي قَاعِدٌ مَكَانَهُ وَ أَنَا مَعَهُ، وَ رُفِعَ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ نَهَضَ أَبِي وَ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ، فَوَافَانَا[٥] رَسُولُ هِشَامِ بِالْجَائِزَةِ، وَ أَمَرَنَا أَنْ نَنْصَرِفَ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ سَاعَتِنَا وَ لَا نَحْتَبِسَ، لِأَنَّ النَّاسَ مَاجُوا وَ خَاضُوا فِيمَا جَرَى بَيْنَ أَبِي وَ بَيْنَ عَالِمِ النَّصَارَى.
[١] في« ط»: و بعث إلى أولاده و أحفاده.
[٢] في« م، ط»: يذكره.
[٣]( و يقولون ... الشّهور) ليس في« ط».
[٤] في« ط»: كان بقدرته.
[٥] في« م»: فإذا.