دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ١٩٧
الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ هُوَ قَائِمٌ فِي صَلَاتِهِ فِي صُورَةِ أَفْعَى لَهُ عَشْرَةُ أَرْؤُسٍ، مُحَدَّدَةَ الْأَنْيَابِ، مُنْقَلِبَةَ الْأَعْيُنِ بِالْحُمْرَةِ، طَلَعَ عَلَيْهِ مِنْ جَوْفِ الْأَرْضِ مِنْ مَكَانِ سُجُودِهِ ثُمَّ تَطَوَّلَ فَلَمْ يُرْعَدْ لِذَلِكَ وَ لَا نَظَرَ بِطَرْفِهِ إِلَيْهِ، فَانْخَفَضَ إِلَى الْأَرْضِ فِي صُورَةِ الْأَفْعَى، وَ قَبَضَ عَلَى عَشَرَةِ أَصَابِعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ أَقْبَلَ يَكْدِمُهَا[١] بِأَنْيَابِهِ، وَ يَنْفُخُ عَلَيْهَا مِنْ نَارٍ جَوْفِهِ، وَ هُوَ لَا يَنْكَسِرُ طَرْفُهُ إِلَيْهِ، وَ لَا يُحَرِّكُ قَدَمَيْهِ عَنْ مَكَانِهَا، وَ لَا يَخْتَلِجُهُ شَكٌّ وَ لَا وَهْمٌ فِي صَلَاتِهِ.
فَلَمْ يَلْبَثْ إِبْلِيسُ حَتَّى انْقَضَّ عَلَيْهِ شِهَابٌ مُحْرِقٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِ إِبْلِيسُ صَرَخَ وَ قَامَ إِلَى جَانِبِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) فِي صُورَتِهِ الْأُولَى، وَ قَالَ: يَا عَلِيُّ، أَنْتَ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ كَمَا سُمِّيتَ، وَ أَنَا إِبْلِيسُ، وَ اللَّهِ لَقَدْ شَاهَدْتُ مِنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى زَمَنِكَ[٢]، فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ عِبَادَتِكَ، وَ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ اسْتَغْفَرَتْ لِي، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ يَغْفِرُ لِي. ثُمَّ تَرَكَهُ وَ وَلَّى، وَ هُوَ فِي صَلَاتِهِ لَا يَشْغَلُهُ كَلَامُهُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ عَلَى تَمَامِهَا[٣].
وَ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ قَائِماً فِي صَلَاتِهِ حَتَّى زَحَفَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ، وَ هُوَ طِفْلٌ، إِلَى بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِ[٤] بَعِيدَةِ الْقَعْرِ، فَسَقَطَ فِيهَا، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ فَصَرَخَتْ، وَ أَقْبَلَتْ تَضْرِبُ نَفْسَهَا مِنْ حَوَالَيِ الْبِئْرِ، وَ تَسْتَغِيثُ بِهِ وَ تَقُولُ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، غَرِقَ وَ اللَّهِ ابْنُكَ مُحَمَّدٌ. وَ كُلَّ ذَلِكَ لَا يَسْمَعُ قَوْلَهَا، وَ لَا يَنْثَنِي عَنْ صَلَاتِهِ، وَ هِيَ تَسْمَعُ اضْطِرَابَ ابْنِهَا فِي قَعْرِ الْبِئْرِ فِي الْمَاءِ.
فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهَا ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ جَزَعاً عَلَى ابْنِهَا مَا أَقْسَى قُلُوبَكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ! فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا إِلَّا بَعْدَ كَمَالِهَا وَ تَمَامِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهَا فَجَلَسَ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ، وَ مَدَّ يَدَهُ إِلَى قَعْرِهَا، وَ كَانَتْ لَا تُنَالُ إِلَّا بِرِشَاءٍ[٥] طَوِيلٍ فَأَخْرَجَ ابْنَهُ مُحَمَّداً بِيَدِهِ وَ هُوَ يُنَاغِيهِ وَ يَضْحَكُ، وَ لَمْ يُبْلَ لَهُ ثَوْبٌ وَ لَا جَسَدٌ بِالْمَاءِ.
[١] أيْ بعضها« لسان العرب- كدم- ١٢: ٥٠٩».
[٢] في« ع، م»: آدم أبوك و إليك.
[٣] نوادر المعجزات: ١١٢/ ١، حلية الأبرار ٢: ٩، مدينة المعاجز: ٢٩٣/ ١.
[٤] في« ع، م»: فازة.
[٥] الرّشاء: حبل الدّلو« المعجم الوسيط- رشّا- ١: ٣٤٨».