دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٣٣٦
فَرَكِبْتُ حِمَارِي، وَ انْطَلَقْتُ نَحْوَ الْفَجِّ الَّذِي وَصَفَ لِي، فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ مَعَهُ حِمْلَيْنِ حَطَبٍ، فَاشْتَرَيْتُهُمَا مِنْهُ، وَ أَتَيْتُهُ، فَاسْتَوْقَدُوا مِنْهُ يَوْمَهُمْ، وَ أَتَيْتُهُ بِظَرْفٍ مِمَّا عِنْدَنَا، يَطْعَمُ مِنْهُ.
ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا خَالِدٍ، انْظُرْ خِفَافَ الْغِلْمَانِ وَ نِعَالَهُمْ، فَأَصْلِحْهَا حَتَّى نَقْدَمَ عَلَيْكَ يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا، مِنْ شَهْرِ كَذَا وَ كَذَا.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ: وَ كَتَبْتُ تَارِيخَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَ لَيْسَ هَمِّي غَيْرَ هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْمِيعَادِ رَكِبْتُ حِمَارِي، وَ سِرْتُ أَمْيَالًا، وَ نَزَلْتُ، فَقَعَدْتُ عِنْدَ الْجَبَلِ أُفَكِّرُ فِي نَفْسِي، وَ أَقُولُ: وَ اللَّهِ، إِنْ وَافَانِي هَذَا الْيَوْمَ الَّذِي قَالَ لِي، فَإِنَّهُ الْإِمَامُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ طَاعَتَهُ عَلَى خَلْقِهِ، لَا يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهُ.
فَقَعَدْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ، وَ أَرَدْتُ الِانْصِرَافَ، فَإِذَا أَنَا بِرَاكِبٍ مُقْبِلٍ، فَأَشَرْتُ إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ إِلَيَّ فَسَلَّمَ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: وَرَاءَكَ أَحَدٌ؟
قَالَ: نَعَمْ، قِطَارٌ فِيهِ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ، يُشْبِهُونَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ.
قَالَ: فَمَا لَبِثْتُ أَنْ ارْتَفَعَ الْقِطَارُ، فَرَكِبْتُ حِمَارِي وَ تَوَجَّهْتُ نَحْوَ الْقِطَارِ، فَإِذَا هُوَ يَهْتِفُ بِي: يَا أَبَا خَالِدٍ، هَلْ وَفَيْنَا لَكَ بِمَا وَعَدْنَاكَ؟
قُلْتُ: قَدْ وَ اللَّهِ، كُنْتُ أَيِسْتُ مِنْ قُدُومِكَ، حَتَّى أَخْبَرَنِي رَاكِبٌ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَ عَلِمْتُ أَنَّكَ هُوَ.
قَالَ: مَا فَعَلَتِ الْقُبَّتَانِ اللَّتَانِ كُنَّا نَزَلْنَا فِيهِمَا؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، تَذْهَبُ إِلَيْهِمَا؛ وَ انْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ الْقُبَّتَيْنِ، فَأَتَيْنَاهُ بِغِذَاءٍ فَتَغَذَّى، وَ قَالَ: مَا حَالُ خِفَافِ الْغِلْمَانِ وَ نِعَالُهُمْ؟ قُلْتُ: أَصْلَحْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَبَا خَالِدٍ، زَوِّدْنَا مِنْ هَذِهِ الْفِسْقَارَاتِ[١] الَّتِي بِالْمَدِينَةِ، فَإِنَّا لَا نَقْدِرُ فِيهَا عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجِدُونَهَا عِنْدَكُمْ.
قَالَ: فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إِلَّا زَوَّدْتُهُ مِنْهُ، فَفَرِحَ وَ قَالَ: سَلْنِي حَاجَتَكَ. وَ كَانَ مَعَهُ مُحَمَّدٌ أَخُوهُ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أُخْبِرُكَ بِمَا كُنْتُ فِيهِ، وَ أَدِينُ اللَّهَ بِهِ، إِلَى أَنْ وَقَعْتُ عَلَيْكَ، وَ قَدِمْتَ عَلَيَّ، فَسَأَلْتَنِي الْحَطَبَ، فَأَخْبَرْتُكَ بِمَا أَخْبَرْتُكَ، فَأَخْبَرْتَنِي بِالْأَعْرَابِيِّ، ثُمَّ قُلْتَ لِي
[١] في« ط»: الفسقادات و لم نجد لها معنى مناسبا في كتب اللّغة الّتي بين أيدينا.