دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٩٦
وَ جَعَلَ النَّاسُ يَصْدُرُونَ، فَعِنْدَهَا قَالَ النَّبِيُّ: أَيْنَ عَمِّي الْعَبَّاسُ؟ فَأَجَابَهُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ النَّبِيُّ: يَا عَمِّ، مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَصْدُرُونَ وَ لَا يَرِدُونَ؟!
قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، مَا[١] فِي الْمَدِينَةِ مُؤْمِنٌ إِلَّا وَ قَدْ أَكَلَ مِنْ طَعَامِكَ، حَتَّى إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ دَخَلُوا فِي عِدَادِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ لَا نَمْنَعَهُمْ لِيَرَوْا مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ (تَعَالَى) مِنَ الْمَنْزِلَةِ الْعَظِيمَةِ وَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ.
قَالَ النَّبِيُّ: يَا عَمِّ، أَ تَعْرِفُ عَدَدَ الْقَوْمِ؟
قَالَ: لَا عِلْمَ لِي[٢]، وَ لَكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ عَدَدَ الْقَوْمِ فَعَلَيْكَ بِعَمِّكَ حَمْزَةَ.
فَنَادَى النَّبِيُّ: أَيْنَ عَمِّي حَمْزَةُ؟ فَأَقْبَلَ يَسْعَى، وَ هُوَ يَجُرُّ سَيْفَهُ عَلَى الصَّفَا[٣]- وَ كَانَ لَا يُفَارِقُهُ سَيْفُهُ شَفَقَةً عَلَى دِينِ اللَّهِ- فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ رَآهُ ضَاحِكاً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَصْدُرُونَ وَ لَا يَرِدُونَ؟
قَالَ: لِكَرَامَتِكَ عَلَى رَبِّكَ، أُطْعِمَ النَّاسُ مِنْ طَعَامِكَ حَتَّى مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ مُوَحِّدٌ وَ لَا مُلْحِدٌ.
قَالَ: كَمْ طَعِمَ مِنْهُمْ؟ هَلْ تَعْرِفُ عَدَدَهُمْ؟
قَالَ: وَ اللَّهِ، مَا شَذَّ عَلَيَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ، أَكَلَ مِنْ طَعَامِكَ فِي أَيَّامِكَ تِلْكَ بِعِدَّةِ ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَ عَشْرَةِ أُنَاسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
ثُمَّ دَعَا بِصِحَافٍ، وَ جَعَلَ يَغْرِفُ فِيهَا وَ يَبْعَثُ بِهِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُقْبَةَ[٤] إِلَى بُيُوتِ الْأَرَامِلِ وَ الضُّعَفَاءِ وَ الْمَسَاكِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمَاتِ، وَ الْمُعَاهَدِينَ وَ الْمُعَاهَدَاتِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ دَارٌ وَ لَا مَنْزِلٌ إِلَّا أُدْخِلَ إِلَيْهِ مِنْ طَعَامِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
[١] في« ط»: لم يبق.
[٢] في« ط»: فقال: لا أعلم.
[٣] الصّفا: الصّخرة و الحجر الأملس« النّهاية ٣: ٤١».
[٤] كذا في النّسخ، و لم يتبيّن لنا من هو، و لعلّ( عقبة) تصحيف( عتبة)، انظر اسد الغابة ٣: ٢٠٢.