دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٢٤١
فَقَالَ لَهُمْ أَبِي: افْتَحُوا لَنَا الْبَابَ وَ أَنْزِلُونَا، وَ خُذُوا مِنَّا الْجِزْيَةَ كَمَا تَأْخُذُونَ مِنْهُمْ.
فَقَالُوا: لَا نَفْتَحُ، وَ لَا كَرَامَةَ لَكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا عَلَى ظُهُورِ دَوَابِّكُمْ جِيَاعاً نِيَاعاً[١] وَ تَمُوتُ دَوَابُّكُمْ تَحْتَكُمْ. فَوَعَظَهُمْ أَبِي فَازْدَادُوا عُتُوّاً وَ نُشُوزاً.
قَالَ: فَثَنَى أَبِي رِجْلَهُ عَنْ سَرْجِهِ ثُمَّ قَالَ لِي: مَكَانَكَ- يَا جَعْفَرُ- لَا تَبْرَحْ. ثُمَّ صَعِدَ الْجَبَلَ الْمُطِلَّ عَلَى مَدِينَةِ مَدْيَنَ، وَ أَهْلُ مَدْيَنَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ مَا يَصْنَعُ، فَلَمَّا صَارَ فِي أَعْلَاهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْمَدِينَةَ وَحْدَهُ، ثُمَّ وَضَعَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً- إِلَى قَوْلِهِ (عَزَّ وَ جَلَّ)- بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[٢] نَحْنُ وَ اللَّهِ: بَقِيَّةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ.
فَأَمَرَ اللَّهُ (تَعَالَى) رِيحاً سَوْدَاءَ مَظْلِمَةً، فَهَبَّتْ وَ احْتَمَلَتْ صَوْتَ أَبِي فَطَرَحَتْهُ فِي أَسْمَاعِ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ وَ الصِّبْيَانِ[٣]، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ وَ الصِّبْيَانِ إِلَّا صَعِدَ السُّطُوحَ وَ أَبِي مُشْرِفٌ عَلَيْهِمْ.
وَ صَعِدَ فِيمَنْ صَعِدَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ كَبِيرُ السِّنِّ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِي عَلَى الْجَبَلِ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: اتَّقُوا اللَّهَ يَا أَهْلَ مَدْيَنَ، فَإِنَّهُ قَدْ وَقَفَ الْمَوْقِفَ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ شُعَيْبٌ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حِينَ دَعَا عَلَى قَوْمِهِ، فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَفْتَحُوا لَهُ الْبَابُ وَ لَمْ تُنْزِلُوهُ، جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ الْعَذَابُ وَ أَتَى عَلَيْكُمْ، وَ قَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ فَفَزِعُوا وَ فَتَحُوا الْبَابَ وَ أَنْزَلُونَا.
وَ كَتَبَ الْعَامِلُ[٤] بِجَمِيعِ ذَلِكَ إِلَى هِشَامٍ فَارْتَحَلْنَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى عَامِلِ مَدْيْنَ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَأْخُذَ الشَّيْخَ فَيُطَمِّرَهُ[٥]، فَأَخَذُوهُ فَطَمَّرُوهُ (رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ).
وَ كَتَبَ إِلَى عَامِلِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ أَنْ يَحْتَالَ فِي سَمِّ أَبِي فِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، فَمَضَى هِشَامٌ وَ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ فِي أَبِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ[٦].
١٦٣/ ٢٧- وَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ
[١] النائع: العطشان، و المتمايل جوعا.« المعجم الوسيط ٢: ٩٦٣».
[٢] هود ١١: ٨٤- ٨٦.
[٣] في« ط» زيادة: و الاماء.
[٤]( العامل) ليس في« ع، م».
[٥] أيْ يدفنه، انظر« القاموس المحيط- طمر- ٢: ٨١».
[٦] نوادر المعجزات: ١٢٧/ ١، الامان من الاخطار: ٦٦، البحار ٤٦: ٣٠٦/ ١، مدينة المعاجز: ٣٣٢/ ٤٤.