دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٢٧٤
قَالَ: ثُمَّ مَضَى السَّبُعُ فَمَا لَبِثْتُ إِلَّا وَقْتاً حَتَّى طَلَعَ السَّبُعُ وَ مَعَهُ كِيسٌ فِي فِيهِ.
قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ! قَالَ: يَا أَبَا خَالِدٍ، هَذَا كِيسٌ وَجَّهَ بِهِ إِلَيَّ فُلَانٌ مَعَ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، وَ احْتَجْتُ إِلَى مَا فِيهِ، وَ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفاً، فَبَعَثْتُ بِهَذَا السَّبْعِ فَجَاءَ بِهِ.
قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَ اللَّهِ، لَا أَبْرَحُ حَتَّى يَقْدَمَ الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ وَ أَعْلَمَ ذَلِكَ.
قَالَ: فَضَحِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ثُمَّ قَالَ لِي: نَعَمْ يَا أَبَا خَالِدٍ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُفَضَّلُ.
قَالَ: فَتَدَاخَلَنِي وَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ حَيْرَةٌ، ثُمَّ قَالَ: قُلْتُ: أَقِلْنِي جُعِلْتُ فِدَاكَ.
وَ أَقَمْتُ أَيَّاماً، ثُمَّ قَدِمَ الْمُفَضَّلُ، وَ بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَالَ الْمُفَضَّلُ:
جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ، إِنَّ فُلَاناً بَعَثَ مَعِي كِيساً فِيهِ مَالٌ، فَلَمَّا صِرْتُ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا جَاءَ سَبُعٌ وَ حَالَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ رِحَالِنَا، فَلَمَّا مَضَى السَّبُعُ طَلَبْتُ الْكِيسَ فِي الرَّحْلِ فَلَمْ أَجِدْهُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا مُفَضَّلُ، أَ تَعْرِفُ الْكِيسَ؟
قَالَ: نَعَمْ، جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا جَارِيَةُ، هَاتِي الْكِيسَ. فَأَتَتْ بِهِ الْجَارِيَةُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الْمُفَضَّلُ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا هُوَ الْكِيسُ.
ثُمَّ قَالَ: يَا مُفَضَّلُ، تَعْرِفُ السَّبُعَ؟
قَالَ: جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ، كَانَ فِي قَلْبِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ رُعْبٌ.
فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّي. فَدَنَا مِنْهُ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِأَبِي خَالِدٍ: امْضِ بِرُقْعَتِي إِلَى الْغَيْضَةِ فَأْتِنَا بِالسَّبُعِ.
فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى الْغَيْضَةِ فَعَلْتُ مِثْلَ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ فَجَاءَ السَّبُعُ مَعِي، فَلَمَّا صَارَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) نَظَرْتُ إِلَى إِعْظَامِهِ إِيَّاهُ، فَاسْتَغْفَرْتُ فِي نَفْسِي.
ثُمَّ قَالَ: يَا مُفَضَّلُ، هَذَا هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ.
فَقَالَ: يَا مُفَضَّلُ، أَبْشِرْ فَأَنْتَ مَعَنَا[١].
[١] مدينة المعاجز: ٣٧٦/ ٥٣.