دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٥٦١
انْحَطَّتْ عَلَى الْكَعْبَةِ، فَدَارَتْ فِيهَا، فَإِذَا هِيَ جَرَادٌ ذَوَاتُ أَجْنِحَةٍ خُضْرٍ كَالْمَلَاحِفِ، فَأَطَافَتْ بِالْكَعْبَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَطَايَرَتْ شَرْقاً وَ غَرْباً، لَا تَمُرُّ بِبَلَدٍ إِلَّا أَحْرَقَتْهُ، وَ لَا بِحِصْنٍ[١] إِلَّا حَطَمَتْهُ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَ أَنَا مَذْعُورُ الْقَلْبِ وَجِلٌ.
فَيَقُولُونَ: لَقَدْ رَأَيْتَ هَؤُلَاءِ، فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَى الْأُقَيْرِعِ[٢] لِيُعَبِّرَهَا، وَ هُوَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ، فَيَقُصُّ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا، فَيَقُولُ الْأُقَيْرِعُ[٣]: لَقَدْ رَأَيْتَ عَجَباً، وَ لَقَدْ طَرَقَكُمْ فِي لَيْلَتِكُمْ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ، لَا قُوَّةَ لَكُمْ بِهِمْ.
فَيَقُولُونَ: لَقَدْ رَأَيْنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا عَجَباً. وَ يُحَدِّثُونَهُ بِأَمْرِ الْقَوْمِ.
ثُمَّ يَنْهَضُونَ مِنْ عِنْدِهِ وَ يَهُمُّونَ بِالْوُثُوبِ عَلَيْهِمْ، وَ قَدْ مَلَأَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ مِنْهُمْ رُعْباً وَ خَوْفاً، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَ هُمْ يَتَآمَرُونَ بِذَلِكَ: يَا قَوْمِ لَا تَعْجَلُوا عَلَى الْقَوْمِ، إِنَّهُمْ لَمْ يَأْتُوكُمْ بَعْدُ بِمُنْكَرٍ، وَ لَا أَظْهَرُوا خِلَافاً، وَ لَعَلَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَكُونُ فِي الْقَبِيلَةِ مِنْ قَبَائِلِكُمْ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ مِنْهُمْ شَرٌّ فَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ وَ هُمْ، وَ أَمَّا الْقَوْمُ فَإِنَّا نَرَاهُمْ مُتَنَسِّكِينَ وَ سِيمَاهُمْ حَسَنَةٌ، وَ هُمْ فِي حَرَمِ اللَّهِ (تَعَالَى) الَّذِي لَا يُبَاحُ مَنْ دَخَلَهُ حَتَّى يُحْدِثَ بِهِ حَدَثاً وَ لَمْ يُحْدِثِ الْقَوْمُ حَدَثاً يُوجِبُ مُحَارَبَتَهُمْ.
فَيَقُولُ الْمَخْزُومِيُّ، وَ هُوَ رَئِيسُ الْقَوْمِ وَ عَمِيُدُهُمْ: إِنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُمْ مَادَّةٌ لَهُمْ، فَإِذَا الْتَأَمَتْ إِلَيْهِمْ كَشَفَ أَمْرَهُمْ وَ عَظُمَ شَأْنُهُمْ، فَتَهْضِمُوهُمْ[٤] وَ هُمْ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَدَدِ وَ غُرْبَةٍ[٥] فِي الْبَلَدِ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَادَّةُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَأْتُوكُمْ مَكَّةَ إِلَّا وَ سَيَكُونُ لَهُمْ شَأْنٌ، وَ مَا أَحْسُبُ تَأْوِيلَ رُؤْيَا صَاحِبِكُمْ إِلَّا حَقّاً، فَخَلُّوا لَهُمْ بَلَدَكُمْ وَ أَجِيلُوا الرَّأْيَ، وَ الْأَمْرُ مُمْكِنٌ.
فَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: إِنْ كَانَ مَنْ يَأْتِيهِمْ أَمْثَالُهُمْ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ لَا سِلَاحَ
[١] في« م، ط»: بحضر.
[٢] في« ط، ع»: الأقرع.
[٣] في« ط»: الأقرع.
[٤] تهضمه: أذلّه و كسره.
[٥] في« م، ط»: و غرّة.