دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٥٠٨
أَنَّ الصِّدِّيقَ الْمُبَرَّأَ مِنْ دَنَسِ الشُّكُوكِ[١]، وَ الْفَارُوقَ الْمُحَامِيَ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ، كَانَا يُسِرَّانِ[٢] النِّفَاقَ، وَ اسْتَدْلَلْتُمْ بِلَيْلَةِ الْعَقَبَةِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الصِّدِّيقِ وَ الْفَارُوقِ، أَسْلَمَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً؟
قَالَ سَعْدٌ: فَاحْتَلْتُ لِدَفْعِ هَذِهِ[٣] الْمَسْأَلَةِ عَنِّي خَوْفاً مِنَ الْإِلْزَامِ، وَ حَذَراً مِنْ أَنِّي إِنْ أَقْرَرْتُ لَهُ بِطَوَاعِيَتِهِمَا[٤] فِي الْإِسْلَامِ احْتَجَّ بِأَنَّ بَدْءَ النِّفَاقِ وَ نُشُوءَهُ فِي الْقَلْبِ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ هُبُوبِ رَوَائِحِ الْقَهْرِ وَ الْغَلَبَةِ، وَ إِظْهَارِ الْيَأْسِ الشَّدِيدِ فِي حَمْلِ الْمَرْءِ عَلَى مَنْ لَيْسَ يَنْقَادُ لَهُ قَلْبُهُ، نَحْوُ قَوْلِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ): فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا[٥].
وَ إِنْ قُلْتُ: أَسْلَمَا كَرْهاً، كَانَ يَقْصِدُنِي[٦] بِالطَّعْنِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ سُيُوفٌ مُنْتَضَاةٌ كَانَتْ تُرِيهِمَا الْبَأْسَ.
قَالَ سَعْدٌ: فَصَدْرُت عَنْهُ مُزْوَرّاً[٧] قَدِ انْتَفَخَتْ أَحْشَائِي مِنَ الْغَضَبِ، وَ تَقَطَّعَ كَبِدِي مِنَ الْكَرْبِ، وَ كُنْتُ قَدْ اتَّخَذْتُ طُومَاراً[٨]، وَ أَثْبَتُّ فِيهِ نَيِّفاً وَ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً مِنْ صِعَابِ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَمْ أَجِدْ لَهَا مُجِيباً، عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عَنْهَا خَيْرَ أَهْلِ بَلَدِي أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ صَاحِبَ مَوْلَانَا أَبِي مُحَمَّدِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَارْتَحَلْتُ خَلْفَهُ، وَ قَدْ كَانَ خَرَجَ قَاصِداً نَحْوَ مَوْلَايَ بِسُرَّمَنْرَأَى، فَلَحِقْتُهُ فِي بَعْضِ الْمَنَاهِلِ، فَلَمَّا تَصَافَحْنَا قَالَ: لِخَيْرٍ لَحَاقُكَ بِي.
قُلْتُ: الشَّوْقِ، ثُمَّ الْعَادَةِ فِي الْأَسْئِلَةِ[٩].
[١] في« م، ط»: الشّرك.
[٢] في« ع، م»: يستران.
[٣]( هذه) ليس في« ع، م».
[٤] في« ط»: بطوعهما، و في« م»: طوعيتهما.
[٥] غافر ٤٠: ٨٤ و ٨٥.
[٦] في« ع»: كرها تقصدني.
[٧] في« ع، م»: عنه من وراء، الازورار عن الشّيء: العدول عنه.
[٨] أيّ صحيفة.
[٩] في« ع، م»: الأسولة.