دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٥٠٧
الْعُلُومِ وَ دَقَائِقِهَا، كَلِفاً بِاسْتِظْهَارِ مَا يَصِحُّ مِنْ حَقَائِقِهَا، مُغْرَماً بِحِفْظِ مُشْتَبِهِهَا وَ مُسْتَغْلَقِهَا، شَحِيحاً عَلَى مَا أَظْفَرُ بِهِ مِنْ مَعَاضِلِهَا وَ مُشْكِلَاتِهَا، مُتَعَصِّباً لِمَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ، رَاغِباً عَنِ الْأَمْنِ وَ السَّلَامَةِ فِي انْتِظَارِ التَّنَازُعِ وَ التَّخَاصُمِ، وَ التَّعَدِّي إِلَى التَّبَاغُضِ وَ التَّشَاتُمِ، مُعَيِّباً لِلْفِرَقِ ذَوِي الْخِلَافِ، كَشَّافاً عَنْ مَثَالِبِ أَئِمَّتِهِمْ، هَتَّاكاً لِحُجُبِ قَادَتِهِمْ.
إِلَى أَنْ بُلِيتُ بِأَشَدِّ النَّوَاصِبِ مُنَازَعَةً، وَ أَطْوَلِهِمْ مُخَاصِمَةً، وَ أَكْثَرِهِمْ جِدَالًا، وَ أَقْشَعِهِمْ سُؤَالًا، وَ أَثَبْتِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ قَدَماً.
فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ وَ أَنَا أُنَاظِرُهُ: تَبّاً لَكَ- يَا سَعْدُ- وَ لِأَصْحَابِكَ، إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الرَّافِضَةِ تَقْصِدُونَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ بِالطَّعْنِ عَلَيْهِمَا، وَ تَجْحَدُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وِلَايَتَهُمَا وَ إِمَامَتَهُمَا، هَذَا الصِّدِّيقُ الَّذِي فَاقَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ بِشَرَفِ سَابِقَتِهِ، أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الرَّسُولَ (عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ) مَا أَخْرَجَهُ مَعَ نَفْسِهِ إِلَى الْغَارِ إِلَّا عِلْماً مِنْهُ بِأَنَّ الْخِلَافَةَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَ أَنَّهُ هُوَ الْمُقَلَّدُ أَمْرَ التَّأْوِيلِ، وَ الْمُلْقَى إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأُمَّةِ، وَ عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ فِي شَعْبِ الصَّدْعِ، وَ لَمِّ الشَّعَثِ، وَ سَدِّ الْخَلَلِ، وَ إِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَ تَسْرِيَةِ[١] الْجُيُوشِ لِفَتْحِ بِلَادِ الْكُفْرِ، فَكَمَا أَشْفَقَ عَلَى نُبُوَّتِهِ أَشْفَقَ عَلَى خِلَافَتِهِ، إِذْ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الِاسْتِتَارِ وَ التَّوَارِي أَنْ يَرُومَ الْهَارِبُ مِنَ الشَّرِّ مُسَاعَدَةً إِلَى مَكَانٍ يَسْتَخْفِي فِيهِ، فَلَمَّا رَأَيْنَا النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مُتَوَجِّهاً إِلَى الِانْجِحَارِ[٢]، وَ لَمْ تَكُنِ الْحَالُ تُوجِبُ اسْتِدْعَاءَ الْمُسَاعَدَةِ مِنْ أَحَدٍ، اسْتَبَانَ لَنَا قَصْدَ رَسُولِ اللَّهِ بِأَبِي بَكْرٍ إِلَى الْغَارِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي شَرَحْنَاهَا.
وَ إِنَّمَا أَبَاتَ عَلِيّاً (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَلَى فِرَاشِهِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ يَكْتَرِثُ لَهُ، وَ لَمْ يَحْفِلْ بِهِ، لِاسْتِثْقَالِهِ إِيَّاهُ، وَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ إِنْ قُتِلَ لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ نَصْبُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ، لِلْخُطُوبِ الَّتِي كَانَ يَصْلُحُ لَهَا.
قَالَ سَعْدٌ: فَأَوْرَدْتُ عَلَيْهِ أَجْوِبَةً شَتَّى، فَمَا زَالَ يَقْصِدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِالنَّقْضِ وَ الرَّدِّ عَلَيَّ.
ثُمَّ قَالَ: يَا سَعْدُ، دُونَكَهَا أُخْرَى بِمِثْلِهَا تَحْطُمُ آنَافَ الرَّوَافِضِ، أَ لَسْتُمْ تَزْعُمُونَ
[١] في« ع»: و تسريته.
[٢] أيّ الاستتار.