دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٤٩٤
دَوَائِي، فَلَمَّا بَرِحَ بِهِ الْيَأْسُ قَالَ: قُرَّةَ عَيْنِي، يَخْطُرُ بِبَالِكِ شَهْوَةٌ فَأُزَوِّدَكِهَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا؟
قُلْتُ: يَا جَدِّي أَرَى أَبْوَابَ الْفَرَجِ عَلَيَّ مُغْلَقَةً، فَلَوْ كَشَفْتَ الْعَذَابِ[١] عَمَّنْ فِي سِجْنِكَ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَ فَكَكْتَ عَنْهُمْ الْأَغْلَالَ، وَ تَصَدَّقْتَ عَلَيْهِمْ، وَ مَنَّيْتَهُمْ[٢] بِالْخَلَاصِ، رَجَوْتُ أَنْ يَهَبَ لِي الْمَسِيحُ وَ أُمُّهُ الْعَافِيَةَ وَ الشِّفَاءَ.
فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ تَجَلَّدْتُ فِي إِظْهَارِ الصِّحَّةِ فِي بَدَنِي، وَ تَنَاوَلْتُ يَسِيراً مِنْ الطَّعَامِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ جَدِّي، وَ أَقْبَلَ عَلَى إِكْرَامِ الْأُسَارَى وَ إِعْزَازِهِمْ، فَأُرِيتُ أَيْضاً بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً كَأَنَّ سَيِّدَةَ النِّسَاءِ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ)، وَ مَعَهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَ أَلْفٌ مِنْ وَصَائِفِ الْجِنَانِ، فَتَقُولُ لِي مَرْيَمُ: هَذِهِ سَيِّدَةُ النِّسَاءِ أُمُّ زَوْجِكِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَأَتَعَلَّقُ بِهَا وَ أَبْكِي، وَ أَشْكُو إِلَيْهَا امْتِنَاعَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنْ زِيَارَتِي.
فَقَالَتْ سَيِّدَةُ النِّسَاءِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهَا): إِنَّ ابْنِي أَبَا مُحَمَّدٍ لَا يَزُورُكِ وَ أَنْتِ مُشْرِكَةٌ بِاللَّهِ، عَلَى مَذْهَبِ النَّصْرَانِيَّةِ، هَذِهِ أُخْتِي مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ تَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكِ، فَإِنْ مِلْتِ إِلَى رِضَا اللَّهِ، وَ رِضَا الْمَسِيحِ وَ مَرْيَمَ عَنْكِ، وَ زِيَارَةِ ابْنِي أَبِي مُحَمَّدٍ إِيَّاكِ، فَقُولِي:
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. فَلَمَّا تَكَلَّمْتُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ ضَمَّتْنِي سَيِّدَةُ النِّسَاءِ إِلَى صَدْرِهَا، وَ طَيَّبَتْ نَفْسِي، وَ قَالَتْ: الْآنَ تَوَقَّعِي زِيَارَةَ ابْنِي أَبِي مُحَمَّدٍ، إِيَّاكِ، فَأِنِّي مُنْفِذَتُهُ إِلَيْكِ.
فَانْتَبَهْتُ وَ أَنَا أَقُولُ: وَا شَوْقَاهْ إِلَى لِقَاءِ أَبِي مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الْقَابِلَةُ: رَأَيْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَأَنَّنِي أَقُولُ لَهُ: لِمَ جَفَوْتَنِي يَا حَبِيبِي بَعْدَ أَنْ شَغَلْتَ قَلْبِي بِجَوَامِعِ حُبُّكَ.
قَالَ: فَمَا كَانَ تَأَخُّرِي عَنْكِ إِلَّا لِشِرْكِكِ، وَ إِذْ قَدْ أَسْلَمْتِ فَإِنِّي زَائِرُكِ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى أَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ شَمْلَنَا فِي الْعَيَانِ؛ فَمَا قَطَعَ عَنِّي زِيَارَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ.
قَالَ بِشْرٌ: فَقُلْتُ لَهَا: وَ كَيْفَ وَقَعْتِ فِي الْأُسَارَى؟
قَالَتْ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي: إِنَّ جَدَّكِ سَيُسَيِّرُ جُيُوشاً إِلَى
[١]( العذاب) ليس في« ع، م».
[٢] في« ع، م»: و مننتهم.