دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٤٣٠
يَحْتَاجُ أَنْ يَتَوَقَّى مِنَ الْمُزَاحَمَةِ[١]، ثُمَّ يَدْخُلُ[٢] فَيَجْلِسُ فِي مَرْتَبَتِهِ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ، فَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ قَامَ الْبَوَّابُونَ وَ قَالُوا: هَاتُوا دَابَّةَ أَبِي مُحَمَّدٍ. فَسَكَنَ صِيَاحُ النَّاسِ وَ صَهِيلُ الْخَيْلِ، وَ تَفَرَّقَتِ الدَّوَابُّ حَتَّى يَرْكَبَ وَ يَمْضِيَ.
وَ قَالَ الشَّاكِرِيُّ: وَ اسْتَدْعَاهُ يَوْماً الْخَلِيفَةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَعَى بِهِ إِلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَحْسُدُهُ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ وَ الْهَاشِمِيِّينَ عَلَى مَرْتَبَتِهِ، فَرَكِبَ وَ مَضَى إِلَيْهِ.
فَلَمَّا حَصَلَ فِي الدَّارِ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْخَلِيفَةَ قَدْ قَامَ، وَ لَكِنِ اجْلِسْ فِي مَرْتَبِتِكَ وَ انْصَرِفْ.
قَالَ: فَانْصَرَفَ وَ جَاءَ[٣] إِلَى سُوقِ الدَّوَابِّ، وَ فِيهَا مِنَ الضَّجَّةِ وَ الْمُصَادَمَةِ وَ اخْتِلَافِ النَّاسِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهَا سَكَنَتِ الضَّجَّةُ بِدُخُولِهِ[٤]، وَ هَدَأَتِ الدَّوَابُّ، فَجَلَسَ إِلَى نَخَّاسٍ كَانَ يَشْتَرِي لَهُ الدَّوَابَّ، فَجِيءَ لَهُ بِفَرَسٍ كَبُوسٍ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَدْنُوَ مِنْهُ، فَبَاعُوهُ إِيَّاهُ بِوَكْسٍ فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، قُمْ فَاطْرَحِ السَّرْجَ عَلَيْهِ فَقُمْتُ وَ عَلِمْتُ[٥] أَنَّهُ لَا يَقُولُ لِي إِلَّا مَا لَا يُؤْذِينِي، فَحَلَلْتُ الْحِزَامَ، وَ طَرَحْتُ السَّرْجَ عَلَيْهِ، فَهَدَأَ وَ لَمْ يَتَحَرَّكْ. وَ جِئْتُ لِأَمْضِيَ بِهِ، فَجَاءَ النَّخَّاسُ فَقَالَ: لَيْسَ يُبَاعُ. فَقَالَ لِي:
سَلِّمْهُ[٦] إِلَيْهِمْ، قَالَ: فَجَاءَ النَّخَّاسُ لِيَأْخُذَهُ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الْتِفَاتَةً، ذَهَبَ[٧] مِنْهُ مُنْهَزِماً.
قَالَ: وَ رَكِبَ، فَمَضَيْنَا، فَلَحِقَنَا النَّخَّاسُ وَ قَالَ: صَاحِبُهُ يَقُولُ: أَشْفَقْتُ مِنْ أَنْ يَرُدَّهُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ مَا فِيهِ مِنَ الْكَبْسِ فَلْيَشْتَرِهِ. فَقَالَ لَهُ أُسْتَاذِي: قَدْ عَلِمْتُ. فَقَالَ:
قَدْ بِعْتُكَ. فَقَالَ لِي: خُذْهُ. فَأَخَذْتُهُ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى الْإِصْطَبْلِ، فَمَا تَحَرَّكَ وَ لَا آذَانِي، بِبَرَكَةِ أُسْتَاذِي، فَلَمَّا نَزَلَ جَاءَ إِلَيْهِ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ الْيُمْنَى فَرَقَاهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِهِ الْيُسْرَى فَرَقَاهُ، قَالَ: فَوَ اللَّهِ، لَقَدْ كُنْتُ أَطْرَحُ الشَّعِيرَ لَهُ، فَأُفَرِّقُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَا يَتَحَرَّكُ، هَذَا
[١] في« ع، م»: يتوقّى من الدّوابّ بخفة( وحف/ ع) ليزحمها.
[٢] في« ط» زيادة: هناك.
[٣] في« ط»: فلمّا انصرف جاء.
[٤] في« ط»: كثير فسكنت الضّجّة بدخوله.
[٥] في« ط»: لعلمي.
[٦] في« ط»: يباع فأمرني بتسليمه.
[٧] في« ط»: إليه الفرس التفاتة فهرب.