دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٣٨٩
حَلْقِهِ، وَ لَمْ يَزَلْ يَلْطِمُ وَجْهَهُ وَ يَضْرِبُ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْفَاعِلَةِ، إِنْ كَانَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ (جَلَّ وَ عَلَا) فَابْنُ يَوْمَيْنِ مِثْلُ ابْنِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَوْ عُمِّرَ الْوَاحِدُ مِنَ النَّاسِ خَمْسَةَ آلَافِ سَنَةٍ مَا كَانَ يَأْتِي بِمِثْلِ مَا يَأْتِي بِهِ السَّادَةُ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) أَوْ بِبَعْضِهِ، أَ وَ هَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ[١] يُنْظَرَ فِيهِ؟ وَ أَقْبَلَتِ الْعِصَابَةُ عَلَى يُونُسَ تَعْذُلُهُ.
وَ قَرُبَ الْحَجُّ، وَ اجْتَمَعَ مِنْ فُقَهَاءِ بَغْدَادَ وَ الْأَمْصَارِ وَ عُلَمَائِهِمْ ثَمَانُونَ رَجُلًا، وَ خَرَجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَ أَتَوْا دَارَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَدَخَلُوهَا، وَ بُسِطَ لَهُمْ بِسَاطٌ أَحْمَرُ، وَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ[٢] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، فَجَلَسَ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ، وَ قَامَ مُنَادٍ فَنَادَى: هَذَا ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَمَنْ أَرَادَ السُّؤَالَ فَلْيَسْأَلْ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ عَدَدَ نُجُومِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: طُلِّقَتْ ثَلَاثَ دُونَ الْجَوْزَاءِ.
فَوَرَدَ عَلَى الشِّيعَةِ مَا زَادَ فِي غَمِّهِمْ وَ حُزْنِهِمْ.
ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَتَى بَهِيمَةً؟ قَالَ: تُقْطَعُ يَدُهُ، وَ يُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَ يُنْفَى. فَضَجَّ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ، وَ كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ. فَهُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ فُتِحَ بَابٌ مِنْ صَدْرِ الْمَجْلِسِ، وَ خَرَجَ مُوَفَّقٌ، ثُمَّ خَرَجَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ وَ إِزَارٌ وَ عِمَامَةٌ بِذُؤَابَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا مِنْ قُدَّامٍ، وَ الْأُخْرَى مِنْ خَلْفٍ؛ وَ نَعْلٌ بِقِبَالَيْنِ[٣]، فَجَلَسَ وَ أَمْسَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، فَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ عَدَدَ نُجُومِ السَّمَاءِ؟
فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا[٤]، اقْرَأْ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ (تَبَارَكَ وَ تَعَالَى): الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ[٥] فِي الثَّالِثَةِ.
قَالَ: فَإِنْ عَمَّكَ أَفْتَانِي بِكَيْتَ وَ كَيْتَ.
[١] في« ع»: ممّا يتعلّق أو.
[٢]( إليهم) ليس في« ع، م».
[٣] القبال: زمام النّعل، و هو السّير الّذي يكون بين الإصبعين« لسان العرب- قبل- ١١: ٥٤٣».
[٤] في« ع، م»: ما هذا.
[٥] البقرة ٢: ٢٢٩.