دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٣٨٦
قَالَ: إِنَّ مَارِيَةَ لَمَّا أُهْدِيَتْ إِلَى جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أُهْدِيَتْ مَعَ جَوَارٍ قَسَمَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَ ظَنَّ بِمَارِيَةَ مِنْ دُونِهِنَّ، وَ كَانَ مَعَهَا خَادِمٌ يُقَالُ لَهُ (جَرِيحٌ) يُؤَدِّبُهَا بِآدَابِ الْمُلُوكِ، وَ أَسْلَمَتْ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ أَسْلَمَ جَرِيحٌ مَعَهَا، وَ حَسُنَ إِيمَانُهُمَا وَ إِسْلَامُهُمَا[١]، فَمَلَكَتْ مَارِيَةُ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَحَسَدَهَا بَعْضُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَأَقْبَلَتْ زَوْجَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أَبَوَيْهِمَا تَشْكُوَانِ[٢] رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِعْلَهُ وَ مَيْلَهُ إِلَى مَارِيَةَ، وَ إِيثَارَهُ إِيَّاهَا عَلَيْهِمَا؛ حَتَّى سَوَّلَتْ لَهُمَا أَنْفُسُهُمَا أَنْ يَقُولَا[٣]: إِنَّ مَارِيَةَ إِنَّمَا حَمَلَتْ بِإِبْرَاهِيمَ مِنْ جَرِيحٍ، وَ كَانُوا لَا يَظُنُّونَ جَرِيحاً خَادِماً زَمِناً[٤]. فَأَقْبَلَ أَبَوَاهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ هُوَ جَالِسٌ فِي مَسْجِدِهِ، فَجَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ قَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لَنَا وَ لَا يَسَعُنَا أَنْ نَكْتُمَكَ مَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَاقِعَةٍ بِكَ.
قَالَ: وَ مَا ذَا تَقُولَانِ؟!
قَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ جَرِيحاً يَأْتِي مِنْ مَارِيَةَ الْفَاحِشَةُ الْعُظْمَى، وَ إِنَّ حَمْلَهَا مِنْ جَرِيحٍ، وَ لَيْسَ هُوَ مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَارْبَدَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ تَلَوَّنَ لِعِظَمِ مَا تَلَقَّيَاهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَ يَحْكُمَا مَا تَقُولَانِ؟!
فَقَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّنَا خَلَّفْنَا جَرِيحاً وَ مَارِيَةَ فِي مَشْرَبَةٍ، وَ هُوَ يُفَاكِهُهَا وَ يُلَاعِبُهَا، وَ يَرُومُ مِنْهَا مَا تَرُومُ الرِّجَالُ مِنَ النِّسَاءِ، فَابْعَثْ إِلَى جَرِيحٍ فَإِنَّكَ تَجِدُهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَأَنْفِذْ فِيهِ حُكْمَكَ وَ حُكْمَ اللَّهِ (تَعَالَى).
فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا أَبَا الْحَسَنِ، خُذْ مَعَكَ سَيْفَكَ ذَا الْفَقَارِ، حَتَّى تَمْضِيَ إِلَى مَشْرَبَةِ مَارِيَةَ، فَإِنْ صَادَفْتَهَا وَ جَرِيحاً كَمَا يَصِفَانِ فَأَخْمِدْهُمَا ضَرْباً.
فَقَامَ عَلِيٌّ وَ اتَّشَحَ بِسَيْفِهِ[٥]، وَ أَخَذَهُ تَحْتَ ثَوْبِهِ، فَلَمَّا وَلَّى وَ مَرَّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ رَسُولِ
[١] في« ع»: إيمانها و إسلامها.
[٢] في« ع، م»: يشكون.
[٣] في« ع، م»: بقول.
[٤] رجل زمن أيّ مبتلى، ذو عاهة« لسان العرب- زمن- ١٣: ١٩٩».
[٥] في« ع، م»: و امتسح سيفه.