دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٣٧٩
فَاتَّصَلَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِهِ، فَتَابَ وَ أَنَابَ، وَ أَقْبَلَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ)، وَ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ حَتَّى أُغِيرَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ، فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي أَثَرِهِمْ جَمَاعَةً ذَلِكَ أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ فِيهِمْ.
قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوَادُ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ): وَ عَظَّمَ اللَّهُ (تَعَالَى) الْبَرَكَةَ فِي الْبِلَادِ[١] بِدُعَاءِ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامَ)، وَ قَدْ كَانَ لِلْمَأْمُونِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَلِيَّ عَهْدِهِ دُونَ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ حُسَّادٌ كَانُوا بِحَضْرَةِ الْمَأْمُونِ لِلرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ)[٢]، فَقَالَ لِلْمَأْمُونِ بَعْضُ أُوَلئِكَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَكُوَنَ تَارِيخُ[٣] الْخُلَفَاءِ فِي إِخْرَاجِكَ هَذَا الْأَمْرَ الشَّرِيفَ وَ الْفَخْرَ الْعَظِيمَ مِنْ بَيْتِ وُلْدِ الْعَبَّاسِ إِلَى بَيْتِ وُلْدِ عَلِيٍّ، لَقَدْ أَعَنْتَ عَلَى نَفْسِكَ وَ أَهْلِكَ، جِئْتَ بِهَذَا السَّاحِرِ وَلَدِ السَّحَرَةِ، وَ قَدْ كَانَ خَامِلًا فَأَظْهَرْتَهُ، وَ مُتَّضِعاً فَرَفَعْتَهُ، وَ مَنْسِيّاً فَذَكَرْتَ بِهِ، وَ مُسْتَخْفِياً فَنَوَّهْتَ بِهِ، قَدْ مَلَأَ الدُّنْيَا مَخْرَقَةً[٤] وَ تَشَوُّفَاً[٥] بِهَذَا الْمَطَرِ الْوَارِدِ عِنْدَ دُعَائِهِ؛ مَا أَخْوَفَنِي أَنْ يَخْرُجَ هَذَا الْأَمْرُ مِنْ وُلْدِ الْعَبَّاسِ إِلَى وُلْدِ عَلِيٍّ، بَلْ مَا أَخْوَفَنِي أَنْ يَتَوَصَّلَ بِسِحْرِهِ إِلَى إِزَالَةِ نِعْمَتِكَ وَ التَّوَثُّبِ عَلَى مَمْلَكَتِكَ، هَلْ جَنَى أَحَدٌ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَمْلَكَتِهِ مِثْلَ جِنَايَتِكَ؟!
فَقَالَ الْمَأْمُونُ: قَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مُسْتَتِراً عَنَّا، يَدْعُو النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَجْعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِنَا، لِيَكُونَ دُعَاؤُهُ إِلَيْنَا، وَ لِيَعْرِفَ أَنَّ الْمُلْكَ وَ الْخِلَافَةَ لَنَا، وَ لِيَعْتَقِدَ فِيهِ الْمُعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا ادَّعَى لِنَفْسِهِ فِي قَلِيلٍ وَ لَا كَثِيرٍ، وَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَنَا دُونَهُ، وَ قَدْ خَشِينَا إِنْ تَرَكْنَاهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَنْ يَنْشَقَ[٦] عَلَيْنَا مِنْهُ مَا لَا نَقْدِرُ عَلَى سَدِّهِ، وَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَ الْآنَ فَإِذْ قَدْ فَعَلْنَا بِهِ مَا فَعَلْنَا، وَ أَخْطَأْنَا مِنْ أَمْرِهِ بِمَا قَدْ أَخْطَأْنَا،
[١]( في البلاد) ليس في« ع، م».
[٢] في« ع، م»: و حيث إذ كلّفوا بحضرة المأمون الرّضا( عليه السّلام).
[٣] في« ع، م»: نازع. و في البحار ٤٩: ١٨٥ قوله: أن تكون تاريخ الخلفاء، كناية عن عظم تلك الواقعة و فظاعتها بزعمه، فإن النّاس يؤرخون الأمور بالوقائع و الدواهي.
[٤] المخرقة: الشعبذة، و في« ط»: مخرفة.
[٥] في« ط»: تشوّقا، و كلاهما بمعنى أيّ ملأ الدّنيا تطلعا إليه.
[٦] في« ع، م»: ينبش.