دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٣٧٧
عَلَيْهِ، وَ عَظُمَ، فَقَالَ لِلرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ): قَدِ احْتَبَسَ الْمَطَرُ عَنَّا، فَلَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) أَنْ يَمْطُرَ النَّاسَ.
فَقَالَ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ): نَعَمْ، أَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ.
قَالَ: فَمَتَى تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ وَ كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ.
فَقَالَ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَتَانِي الْبَارِحَةَ فِي مَنَامِي وَ مَعَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ قَالَ: يَا بُنَيَّ، انْتَظِرْ إِلَى يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ، وَ اخْرُجْ إِلَى الصَّحْرَاءِ وَ اسْتَسْقِ فَإِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) سَيَسْقِيهِمْ، وَ أَخْبِرْهُمْ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ مِمَّا لَا يَعْلَمُونَ حَالَهْ[١]، لِيَزْدَادَ عِلْمُهُمْ بِفَضْلِكَ وَ مَكَانِكَ مِنْ رَبِّكَ (عَزَّ وَ جَلَّ).
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْإِثْنَيْنِ غَدَا أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَ خَرَجَ الْخَلَائِقُ يَنْظُرُونَ، فَصَعِدَ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ:
يَا رَبِّ أَنْتَ عَظَّمْتَ حَقَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَتَوَسَّلُوا بِنَا كَمَا أَمَرْتَ، وَ أَمَّلُوا فَضْلَكَ وَ رَحْمَتَكَ، وَ تَوَقَّعُوا إِحْسَانَكَ وَ نِعْمَتَكَ، فَاسْقِهِمْ سُقْيَا نَافِعاً عَامّاً، غَيْرَ رَائِثٍ[٢] وَ لَا ضَائِرٍ، وَ لْيَكُنْ ابْتِدَاءُ مَطَرِهِمْ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنْ مَشْهَدِهِمْ هَذَا إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَ مَقَارِّهِمْ.
قَالَ: فَوَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ نَبِيّاً لَقَدْ نَسَجَتِ الرِّيَاحُ فِي الْهَوَاءِ الْغُيُومَ، وَ أَرْعَدَتْ وَ أَبْرَقَتْ، فَتَحَرَّكَ النَّاسُ كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ التَّنَحِّيَ عَنِ الْمَطَرِ، فَقَالَ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ): عَلَى رَسْلِكُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَلَيْسَ هَذَا الْغَيْمُ لَكُمْ، إِنَّمَا هُوَ لِأَهْلِ بَلَدِ كَذَا وَ كَذَا. فَمَضَتِ السَّحَابَةُ وَ عَبَرَتْ.
ثُمَّ جَاءَتْ سَحَابَةٌ أُخْرَى تَشْتَمِلُ عَلَى رَعْدٍ وَ بَرْقٍ، فَتَحَرَّكُوا لِلِانْصِرَافِ، فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): عَلَى رَسْلِكُمْ، فَمَا هَذِهِ لَكُمْ، وَ إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ بَلَدِ كَذَا وَ كَذَا. فَمَا زَالَ حَتَّى جَاءَتْ عَشْرُ سَحَابَاتٍ وَ عَبَرَتْ، فَكُلٌّ يَقُولُ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ): عَلَى رَسْلِكُمْ، لَيْسَتْ هَذِهِ لَكُمْ، إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ بَلَدِ كَذَا وَ كَذَا.
[١] في عيون الأخبار: بما يريك اللّه ممّا لا يعلمون من حالهم.
[٢] أيّ غير بطيء متأخر.« النّهاية ٢: ٢٨٧».