دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٣٥٥
فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ مِعْوَلًا وَاحِداً فِي قِبْلَةِ قَبْرِ[١] أَبِيكَ هَارُونَ الرَّشِيدِ، لَا أَضْرِبُ غَيْرَهُ.
قَالَ: إِذَا ضَرَبْتَ يَا هَرْثَمَةُ، يَكُونُ مَا ذَا؟
فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْرِ أَبِيكَ قِبْلَةً لِقَبْرِهِ، وَ إِنَّنِي إِذَا ضَرَبْتُ هَذَا الْمِعْوَلَ الْوَاحِدَ يَصِيرُ الْقَبْرُ مَحْفُوراً مِنْ غَيْرِ يَدٍ تَحْفِرُهُ، وَ يَأْتِي ضَرِيحٌ فِي وَسَطِهِ.
قَالَ الْمَأْمُونُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَعْجَبَ هَذَا الْكَلَامَ، وَ لَا عَجَبَ مِنْ أَمْرِ أَبِي الْحَسَنِ، فَاضْرِبْ حَتَّى نَرَى[٢].
قَالَ هَرْثَمَةُ: فَأَخَذْتُ الْمِعْوَلَ بِيَدِي، فَضَرَبْتُ فِي قِبْلَةِ قَبْرِ هَارُونَ، قَالَ: فَانْفَرَجَ الْقَبْرُ مَحْفُوراً، وَ الضَّرِيحُ فِي وَسَطِهِ قَائِماً، وَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ.
قَالَ: أَنْزِلْهُ يَا هَرْثَمَةُ. فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، إِنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ لَا أُنْزِلَهُ حَتَّى يَنْفَجِرَ مِنْ أَرْضِ هَذَا الْقَبْرِ مَاءٌ أَبْيَضُ، فَيَمْتَلِئَ بِهِ الْقَبْرُ مَعَ وَجْهِ الْأَرْضِ، ثُمَّ يَظْهَرَ فِيهِ حُوتٌ بِطُولِ الْقَبْرِ، فَإِذَا غَابَ الْحُوتُ، وَ غَارَ الْمَاءُ، وَضَعْتُهُ عَلَى جَانِبِ الْقَبْرِ[٣]، وَ خَلَّيْتُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَلْحَدِهِ.
قَالَ: فَافْعَلْ يَا هَرْثَمَةُ مَا أُمِرْتَ. قَالَ: فَانْتَظَرْتُ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ وَ الْحُوتُ، وَ انْتَظَرْتُ الْحُوتَ حَتَّى غَابَ، وَ غَارَ الْمَاءُ، وَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ جَعَلْتُ النَّعْشَ إِلَى جَانِبِ الْقَبْرِ، وَ سَجَفَ مِنْ فَوْقِهِ سَجْفٌ لَمْ أُبْسِطْهُ أَبْيَضُ، ثُمَّ أُنْزِلَ إِلَى الْقَبْرِ بِغَيْرِ يَدَيِ وَ لَا يَدِ أَحَدٍ مِمَّنْ حَضَرَ، فَأَشَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى النَّاسِ أَنْ أَهِيلُوا[٤] بِأَيْدِيكُمْ التُّرَابَ فَاطْرَحُوا فِيهِ.
فَقُلْتُ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: وَيْحَكَ فَبِمَ يَمْتَلِئُ[٥]؟
[١]( قبر) ليس في« ع، م».
[٢] في« ط» زيادة: ما قال.
[٣] في« م»: قبره.
[٤] في« ط»: هيلوا، و في« ع»: هاتوا.
[٥] في« ع، م»: يعلى.