دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٣٥٤
الْوَاعِيَةَ[١] مِنَ الدَّارِ، فَأَسْرَعْتُ فِيمَنْ أَسْرَعَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَأْمُونِ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، مَحْلُولَ الْأَزْرَارِ[٢]، قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ، يَنْتَحِبُ وَ يَبْكِي.
قَالَ: فَوَقَفْتُ فِيمَنْ وَقَفَ، وَ أَنَا أَحَسُّ بِنَفْسِي تَكَادُ تَنْفَطِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا جَلَسَ الْمَأْمُونُ لِتَعْزِيَتِهِ، ثُمَّ قَامَ يَمْشِي إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ سَيِّدُنَا الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَالَ:
أَصْلِحُوا لَنَا مَوْضِعاً، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَغْسِلَهُ. فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: خَلْوَةً يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَخْلَى نَفْسَهُ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ سَيِّدِي بِسَبَبِ الْغُسْلِ وَ الْكَفَنِ وَ الدَّفْنِ.
فَقَالَ لِي: لَسْتُ أَعْرِضُ فِي ذَلِكَ، شَأْنَكَ يَا هَرْثَمَةُ.
قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ قَائِماً حَتَّى رَأَيْتُ الْفُسْطَاطَ الْأَبْيَضَ قَدْ نُصِبَ إِلَى جَانِبِ الدَّارِ، فَحَمَلْتُهُ وَ وَضَعْتُهُ بِقُرْبِ الْفُسْطَاطِ، وَ كَانَ دَاخِلَهُ، وَ وَقَفْتُ مِنْ ظَاهِرِهِ، وَ كُلُّ مَنْ فِي الدَّارِ دُونِي، وَ أَنَا أَسْمَعُ التَّكْبِيرَ، وَ التَّهْلِيلَ، وَ التَّسْبِيحَ، وَ تَرَدُّدَ الْأَوَانِي، وَ صَوْتَ صَبِّ الْمَاءِ، وَ سُطُوعَ رِيحٍ طَيِّبٍ لَمْ أَشَمَّ مِثْلَهُ.
قَالَ: فَإِذَا أَنَا بِالْمَأْمُونِ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيَّ مِنْ بَعْضِ عُلُوِّ دَارِهِ، فَصَاحَ: يَا هَرْثَمَةُ، أَ لَيْسَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَغْسِلُهُ إِلَّا إِمَامٌ مِثْلُهُ، وَ أَيْنَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ عَنْهُ، وَ هُوَ بِمَدِينَةِ الرَّسُولِ وَ نَحْنُ بِطُوسَ مِنْ أَرْضِ خُرَاسَانَ؟
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّا نَقُولُ إِنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ أَنْ يَغْسِلَهُ إِمَامٌ مِثْلُهُ، فَإِنْ تَعَدَّى مُتَعَدٍّ فَغَسَلَ الْإِمَامَ لَمْ تَبْطُلْ إِمَامَةُ الْإِمَامِ لِتَعَدِّي غَاسِلِهِ، وَ لَا بَطَلَتْ إِمَامَةُ الْإِمَامِ الَّذِي بَعْدَهُ بِأَنْ غُلِبَ عَلَى غُسْلِ أَبِيهِ؛ وَ لَوْ تُرِكَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا بِالْمَدِينَةِ لَغَسَلَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ ظَاهِراً، وَ لَا يَغْسِلُهُ الْآنَ أَيْضاً إِلَّا هُوَ مِنْ حَيْثُ يَخْفَى.
قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي. ثُمَّ ارْتَفَعَ الْفُسْطَاطُ فَإِذَا أَنَا بِسَيِّدِي مُدْرَجٌ فِي أَكْفَانِهِ فَوَضَعْتُهُ عَلَى نَعْشِهِ، ثُمَّ حَمَلْنَاهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَأْمُونُ، وَ جَمِيعُ مَنْ حَضَرَ، ثُمَّ جِئْنَا إِلَى مَوْضِعِ الْقَبْرِ، فَوَجَدْتُهُمْ يَضْرِبُونَ الْمَعَاوِلَ مِنْ فَوْقِ قَبْرِ هَارُونَ، لِيَجْعَلُوهُ قِبْلَةَ الْقَبْرِ، وَ الْمَعَاوِلُ تَنْبُو، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا هَرْثَمَةُ! أَ مَا تَرَى الْأَرْضَ كَيْفَ تَمْتَنِعُ مِنْ حَفْرِ قَبْرٍ لَهُ؟!
[١] في« ع، م»: الوجبة.
[٢] في« ط»: الإزار.