دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٣١٩
فَنَظَرَ وَ قَالَ لِي: يَا شَقِيقُ، لَمْ تَزَلْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ سَابِغَةً، وَ أَيَادِيهِ لَدَيْنَا جَمِيلَةً، فَأَحْسِنْ ظَنَّكَ بِرَبِّكَ، فَإِنَّهُ لَا يُضَيِّعُ مَنْ أَحْسَنَ بِهِ ظَنّاً.
فَأَخَذْتُ الرَّكْوَةَ مِنْ يَدِهِ وَ شَرِبْتُ، فَإِذَا سَوِيقٌ وَ سُكَّرٌ، فَوَ اللَّهِ مَا شَرِبْتُ شَيْئاً قَطُّ أَلَذَّ مِنْهُ، وَ لَا أَطْيَبَ رَائِحَةً، فَشَبِعْتُ وَ رَوِيتُ، وَ أَقَمْتُ أَيَّاماً لَا أَشْتَهِي طَعَاماً وَ لَا شَرَاباً، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الرَّكْوَةَ.
ثُمَّ غَابَ عَنْ عَيْنِي، فَلَمْ أَرَهُ حَتَّى دَخَلْتُ مَكَّةَ وَ قَضَيْتُ حَجِّي، فَإِذَا أَنَا بِالْفَتَى فِي هَدْأَةٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَ قَدْ زَهَرَتِ النُّجُومُ، وَ هُوَ إِلَى جَانِبِ قُبَّةِ الشَّرَابِ[١] رَاكِعاً سَاجِداً، لَا يُرِيدُ مَعَ اللَّهِ سِوَاهُ، فَجَعَلْتُ أَرْعَاهُ وَ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَ هُوَ يُصَلِّي بِخُشُوعٍ وَ أَنِينٍ وَ بُكَاءٍ، وَ يُرَتَّلُ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، فَكُلَّمَا مَرَّتْ آيَةٌ فِيهَا وَعْدٌ وَ وَعِيدُ رَدَّدَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَ دُمُوعُهُ تَجْرِي عَلَى خَدِّهِ، حَتَّى إِذَا دَنَا الْفَجْرُ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ يُسَبِّحُ رَبَّهُ وَ يُقَدِّسُهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى الْغَدَاةَ، وَ طَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعاً،[٢] وَ خَرَجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَخَرَجْتُ، فَرَأَيْتُ لَهُ حَاشِيَةً وَ مَوَالِيَ، وَ إِذَا عَلَيْهِ لِبَاسٌ خِلَافُ الَّذِي شَاهَدْتُ، وَ إِذَا النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِ يَسْأَلُونَهُ عَنْ مَسَائِلِهِمْ، وَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لِبَعْضِ النَّاسِ، أَحْسَبُهُ مِنْ مَوَالِيهِ: مَنْ هَذَا الْفَتَى؟
فَقَالَ لِي: هَذَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ، عَالِمِ آلِ مُحَمَّدٍ.
قُلْتُ: وَ مَنْ أَبُو إِبْرَاهِيمَ؟
قَالَ: مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ).
فَقُلْتُ: لَقَدْ عَجِبْتُ أَنْ تُوجَدَ هَذِهِ الشَّوَاهِدُ إِلَّا فِي هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ[٣].
٢٦٤/ ٧- وَ حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكَاتِبُ، قَالَ: كَانَ بِحَضْرَةِ بَابِ الرَّشِيدِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ (نُفَيْعٌ) وَ كَانَ عِرِّيضاً، وَ كَانَ آدَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَاعِراً ظَرِيفاً، فَاتَّفَقَا يَوْماً بِبَابِ الرَّشِيدِ، وَ حَضَرَ مُوسَى
[١] في« ع»: بيت فيه الشّراب، و في« ط»: بيت فيه السّراب.
[٢] أيْ سبع مرّات.
[٣] تذكرة الخواصّ: ٣٤٨، صفة الصّفوة ٢: ١٨٥، كشف الغمّة ٢: ٢١٣، الفصول المهمّة: ٢٣٣، إسعاف الرّاغبين: ٢٤٧.