دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٢٦٤
فَقَالُوا: خُذْهَا وَ لَا تَخْشَ أَنْ يُقْطَعَ عَلَيْكَ.
فَقُلْتُ: لَأُجَرِّبَنَّ الْقَوْمَ، فَقُلْتُ: هَاتُوهَا، وَ أَخَذْتُهَا فِي يَدَيِ. فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ قُطِعَ عَلَيْنَا، فَمَا تُرِكَ مَعَنَا شَيْءٌ إِلَّا أُخِذَ، فَاسْتَقْبَلَنَا غُلَامٌ أَبْيَضُ مُشْرَبٌ حُمْرَةً، عَلَيْهِ ذُؤَابَتَانِ، فَقَالَ: عَمَّارُ! قُطِعَ عَلَيْكَ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَ: اتَّبِعُونِي مَعْشَرَ الْقَافِلَةِ. فَتَبِعْنَاهُ حَتَّى جَاءَ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَصَاحَ بِهِمْ: رُدُّوا إِلَى[١] الْقَوْمِ مَتَاعَهُمْ. فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ يُبَادِرُونَ مِنَ الْخِيَمِ حَتَّى رَدُّوا جَمِيعَ مَا أُخِذَ مِنَّا، لَمْ يَدَعُوا مِنْهُ شَيْئاً.
فَقُلْتُ عِنْدَ ذَلِكَ: لَأَسْبِقُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى أَسْتَمْكِنَ مِنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَسَبَقْتُ النَّاسَ، فَقُمْتُ أُصَلِّيَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ، فَصَلَّيْتُ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، وَ إِذَا بِمُنَادٍ يُنَادِي: يَا عَمَّارُ، رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مَتَاعَكُمْ، فَلِمَ لَا تَرُدُّ دَنَانِيرَنَا؟ فَالْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ أَحَداً، فَقُلْتُ: هَذَا عَمَلُ الشَّيْطَانِ.
ثُمَّ قُمْتَ أُصَلِّي، فَصَلَّيْتُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ قَدْ وَكَزَنِي وَ أَمْعَضَ[٢] قَفَايَ[٣]، ثُمَّ قَالَ: يَا عَمَّارُ، رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مَتَاعَكُمْ، وَ لَا تَرُدُّ دَنَانِيرَنَا!
فَالْتَفَتُّ وَ إِذَا بِالْغُلَامِ الْأَبْيَضِ الْمُشْرَبِ الْحُمْرَةَ، فَقَادَنِي كَمَا يُقَادُ الْبَعِيرُ، وَ مَا أَقْدِرُ أَنْ أَمْتَنِعَ عَلَيْهِ حَتَّى أَدْخَلَنِي إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، مَعَهُ سُبْحَةُ مِائَةِ دِينَارٍ.
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَؤُلَاءِ مُحَدَّثِينَ، وَ اللَّهِ مَا سَبَقَنِي رَسُولٌ وَ لَا كِتَابٌ، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ أَنَّ مَعِي مِائَةَ دِينَارٍ؟!
[١] في« ع»: على.
[٢] الوكز: الدّفع و الضّرب و الطّعن، و قيل: الوكز بجميع اليد، أو بالعصا. انظر« لسان العرب- وكز- ٥:
٤٣٠».
و أمعضه: أوجعه« أقرب الموارد ٢: ١٢٢٥.
[٣] في« م»: لفقاري.