دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ١٨
الإمامة كما يلي:
١- النصّ:
إنّ الإمامة منصب إلهي مقدّس لا يتحقّق لأحد إلّا بنصّ من اللّه (تعالى)، أو من نبيّه المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.
و ما كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الذي بعث رحمة للعالمين، و ليرفع من بين الناس أسباب الخلاف و الفرقة، و يزرع بينهم كلّ ما من شأنه أن يؤلّف بينهم، و ينظم أمرهم، و يحفظ فيهم العدل و الإنصاف، فلا يمكن أن يفارق أمّته و يتركها هملا، تتحكّم فيها الآراء و الاجتهادات المتباينة، فيعود أمرها فوضى، و كأنّ نبيّا لم يبعث فيها أو كأنّ اللّه (تعالى) لم يرسل إليهم شريعة واحدة تجمعهم و تنظم أمرهم.
بل إنّ النبيّ، الرحمة المهداة، هو أرحم بأمّته من أن يتركها هكذا، و هو أحرص على رسالته من أن يدعها تحت رحمة آراء شتّى و اجتهادات متضاربة، بل قد يعدّ أمر كهذا إخلال بالأمانة التي كلّف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأدائها، و تقصير بحقّ الرسالة التي بعث لتبليغها، و كلّ هذا بعيد عن ساحة النبوّة كلّ بعد، فأيّ مسلم لا يؤمن بأنّ نبينا الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد أدّى أمانة ربّه أحسن الأداء، و بلّغ رسالته أتمّ تبليغ؟
و أيّ معنى سيبقى لأداء الأمانة ما لم يستأمن عليها رجلا كفؤا يتولّى حمايتها و إقامة حدودها و تنفيذ أحكامها؟!
و لقد أتمّ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أداء لأمانته، فنصّ على وصيّه و خليفته من بعده، و سمّاه باسمه في غير موضع و مناسبة، و من ذلك:
أ- الحديث المتواتر في خطبة الغدير الشهيرة، حيث أوقف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مائة ألف من المسلمين حجّوا معه حجّة الوداع و عادوا معه، فلمّا بلغوا غدير خمّ حيث مفترق طرقهم إلى مواطنهم، نادى مناديه أن يردّ المتقدّم، و ينتظر المتأخّر حتى يلحق، ثمّ قام فيهم خطيبا و هو آخذ بيد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
فقال: «أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» قالوا: بلى. قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه»[١].
[١] سنن الترمذي ٥: ٦٣٣/ ٣٧١٣، سنن ابن ماجة ١: ٤٣/ ١١٦ و ٤٥/ ١٢١، مسند أحمد ١: ٨٤، ١١٩، ١٥٢،-- ٣٣١ و ٤: ٢٨١، ٣٦٨، ٣٧٠، ٣٧٢ و ٥: ٣٤٧، ٣٦٦، الخصائص للنسائي: ح ٧٨- ٨٣، المستدرك على الصحيحين ٣: ١١٠، ١٣٤، ٣٧١، مصابيح السنّة ٤: ١٧٢/ ٤٧٦٧، السيرة الحلبيّة ٣: ٢٧٤، تاريخ اليعقوبي ٢: ١١٢، تذكرة الحفاظ ١: ١٠، البداية و النهاية ٥: ١٨٣- ١٨٨ و ٧: ٣٥٩، اسد الغابة ٤: ٢٨، الاستيعاب- بهامش الإصابة- ٣: ٣٦.