دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ١٦
و قال الأسفرائيني: اتّفق جمهور أهل السنّة و الجماعة على أصول من أركان الدين، كلّ ركن منها يجب على كلّ عاقل بالغ معرفة حقيقته، ثمّ ذكر الأركان إلى أن قال: و الركن الثاني عشر: إنّ الإمامة فرض واجب على الامّة لأجل إقامة الإمام، ينصب لهم القضاة و الأمناء، و يضبط ثغورهم، و يغزي جيوشهم، و يقسم الفيء بينهم، و ينتصف لمظلومهم من ظالمهم[١].
و قالت الإمامية: ليس في الإسلام أمر أهم من تعيين الإمام، و إنّ الإمام لطف من اللّه يجب نصبه تحصيلا للغرض[٢].
و من هذا يثبت أنّ إجماعهم على وجوب الإمامة ممّا لا ريب فيه، و لكن بعد أن تحقّق هذا الإجماع افترقوا فيها على فرقتين:
قالت إحداهما: إن الإمامة تثبت بالاتّفاق و الاختيار.
و قالت الأخرى: إنّها تثبت بالنصّ و التعيين.
فمن قال بالقول الأوّل فقد ذهب إلى القول بإمامة كلّ من صارت إليه الإمامة و لو باتّفاق جزء من الأمّة، إمّا مطلقا و إمّا بشرط أن يكون قرشيّا، فقالوا بإمامة معاوية و أولاده، و بعدهم مروان و أولاده ثم بني العباس[٣].
و أمّا أصحاب القول الثاني، فقد ذهبوا إلى أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد نصّ على عليّ (عليه السلام) بالإمامة من بعده، ثمّ على أحد عشر من ولده، آخرهم الإمام المهديّ المنتظر، (عليهم السلام أجمعين).
و بعد هذا الاختلاف، و اختلافات أخرى تشعّبت عن الفريقين، صارت الإمامة محلّ النزاع الأكبر في هذه الأمّة حتّى قيل: إنّه ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينيّة كما سلّ على الإمامة في كلّ زمان.
فمن هنا أصبح حريّا أن تقام عليها الدلائل و تنصب البراهين، فكان ذلك حقّا
[١] الفرق بين الفرق: ٣٢٣، ٣٤٩.
[٢] المقالات و الفرق: ١٣٩، تجريد الاعتقاد: ٢٢١. و معنى اللطف: هو ما يقرّب المكلّف إلى الطاعة و يبعّده عن المعصية.
[٣] الملل و النحل ١: ٣٣- ٣٤.