دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ١٢٤
وَ يَسْتَنْهِضُونَ النِّسَاءَ، وَ قَدْ بَلَغَنِي- يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ- مَقَالَةُ سُفَهَائِكُمْ- فَوَ اللَّهِ- إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِلُزُومِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ أَنْتُمْ، لَقَدْ جَاءَكُمْ فَآوَيْتُمْ وَ نَصَرْتُمْ، وَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ أَحَقُّ مَنْ لَزِمَ عَهْدَهُ، وَ مَعَ ذَلِكَ فَاغْدُوا عَلَى أَعْطِيَاتِكُمْ، فَإِنِّي لَسْتُ كَاشِفاً قِنَاعاً، وَ لَا بَاسِطاً ذِرَاعاً، وَ لَا لِسَاناً إِلَّا عَلَى مَنِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ، وَ السَّلَامُ.
قَالَ: فَأَطْلَعَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَأْسَهَا مِنْ بَابِهَا وَ قَالَتْ: أَ لِمِثْلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ يُقَالُ هَذَا، وَ هِيَ الْحَوْرَاءُ بَيْنَ الْإِنْسِ، وَ الْأُنْسُ[١] لِلنَّفْسِ، رُبِّيَتْ فِي حُجُورِ الْأَنْبِيَاءِ، وَ تَدَاوَلَتْهَا أَيْدِي الْمَلَائِكَةِ، وَ نَمَتْ فِي حُجُورِ[٢] الطَّاهِرَاتِ، وَ نَشَأَتْ خَيْرَ مَنْشَأٍ، وَ رُبِّيَتْ خَيْرَ مُرَبًّى؟! أَ تَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حَرَّمَ عَلَيْهَا مِيرَاثَهُ وَ لَمْ يُعْلِمْهَا؟! وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ لَهُ:
وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[٣]؟ أَ فَأَنْذَرَهَا وَ جَاءَتْ تَطْلُبُهُ وَ هِيَ خِيَرَةُ النِّسْوَانِ، وَ أُمُّ سَادَةِ الشُّبَّانِ، وَ عَدِيلَةُ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ، وَ حَلِيلَةُ لَيْثِ الْأَقْرَانِ، تَمَّتْ بِأَبِيهَا رِسَالاتُ رَبِّهِ؛ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ يُشْفِقُ عَلَيْهَا مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ، فَيُوَسِّدُهَا يَمِينَهُ، وَ يُلْحِفُهَا بِشِمَالِهِ؛ رُوَيْداً فَرَسُولُ اللَّهِ بِمَرْأًى لِغَيِّكُمْ[٤]، وَ عَلَى اللَّهِ تَرِدُونَ، فَوَاهاً لَكُمْ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
قَالَ: فَحُرِمَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تِلْكَ السُّنَّةَ عَطَاءَهَا؛ وَ رَجَعَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلَامُ) إِلَى مَنْزِلِهَا فَتَشَكَّتْ[٥].
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ[٦]: نَظَرْتُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا أَتَمَّ شَرْحٍ، وَ أَبْلَغَ فِي الْإِلْزَامِ، وَ أَوْكَدَ بِالْحُجَّةِ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ وَ نَظَرْتُ إِلَى رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ فَوَجَدْتُهُ قَدْ زَادَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ:
أَ نَسِيتُمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ بَدَأَ بِالْوَلَايَةِ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» وَ قَوْلَهُ «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ...»؟! مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ! وَ أَعْجَلَ مَا
[١] في« ع، م»: النّفس.
[٢] في« ط»: المغارس.
[٣] الشّعراء ٢٦: ٢١٤.
[٤] في« ط»: لأعينكم.
[٥] في« ط»: فشكت.
[٦]( قال أبو جعفر) ليس في« ع، م».