دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ١٢١
وَ بِكُمْ رَحَى الْإِسْلَامِ، وَ دَرَّ حَلْبُ الْبِلَادِ، وَ خَضَعَتْ بَغْوَةُ الشِّرْكِ، وَ هَدَأَتْ رَوْعَةُ الْهَرْجِ، وَ خَبَتْ نَارُ الْحَرْبِ، وَ اسْتَوْسَقَ[١] نِظَامُ الدِّينِ، فَأَنَّى جُرْتُمْ بَعْدَ الْبَيَانِ، وَ نَكَصْتُمْ بَعْدَ الْإِقْدَامِ، عَنْ قَوْمٍ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ[٢].
أَ لَا أَرَى وَ اللَّهِ أَنْ [قَدْ] أَخْلَدْتُمْ إِلَى الْخَفْضِ، وَ رَكَنْتُمْ إِلَى الدَّعَةِ، فَعُجْتُمْ[٣] عَنِ الدِّينِ وَ مَجَجْتُمْ[٤] الَّذِي اسْتَوْعَيْتُمْ، وَ دَسَعْتُمْ[٥] مَا اسْتَرْعَيْتُمْ، أَلَا وَ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ* أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ[٦].
أَلَا وَ قَدْ قُلْتُ الَّذِي قُلْتُ عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خَامَرَتْكُمْ، وَ لَكِنَّهَا فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَ نَفْثَةُ الْغَيْظِ، وَ بَثَّةُ الصَّدْرِ، وَ مَعْذِرَةُ الْحُجَّةِ، فَدُونَكُمْ فَاحْتَقِبُوهَا[٧] دَبِرَةَ الظَّهْرِ[٨]، نَاقِبَةَ الْخُفِّ، بَاقِيَةَ الْعَارِ، مَوْسُومَةً بِشَنَارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةً بِنَارِ اللَّهِ الْمُوقَدَةِ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
فَبِعَيْنِ اللَّهِ مَا تَفْعَلُونَ، وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ[٩]، وَ أَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيِ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَاعْمَلُوا إِنَّا عَامِلُونَ، وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ، وَ سَيَعْلَمُ
[١] استوسق الأمر: انتظم« المعجم الوسيط- وسق- ٢: ١٠٣٢».
[٢] التّوبة ٩: ١٢.
[٣] عاج عن الأمر: انصرف« المعجم الوسيط- عوّج- ٢: ٦٣٤».
[٤] مججتم: رميتم« لسان العرب- مجج- ٢: ٣٦١.
[٥] الدسع: القيء« لسان العرب- دسع- ٨: ٨٤».
[٦] إبراهيم ١٤: ٨ و ٩.
[٧] احتقب الشّيء: أردفه أو ادّخره.« المعجم الوسيط- حقب- ١: ١٨٧».
[٨] الدبرة: القرحة و الجرح الّذي يكون في ظهر الدّابّة و البعير« لسان العرب- دبر- ٤: ٢٧٣».
[٩] الشّعراء ٢٦: ٢٢٧. و ما قبلها تضمين من سورة الهمزة ١٠٤: ٦- ٩.