دلائل الإمامة - ط مؤسسة البعثة - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ١٢٠
الْأَنْصَارُ، فَقَالَتْ:
«مَعْشَرَ الْبَقِيَّةِ، وَ أَعْضَادَ الْمِلَّةِ، وَ حَضَنَةَ الْإِسْلَامِ، مَا هَذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي، وَ السُّنَّةُ[١] عَنْ ظُلَامَتِيَ، أَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَمَرَ بِحِفْظِ الْمَرْءِ فِي وُلْدِهِ؟ فَسَرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُمْ، وَ عَجْلَانَ ذَا إِهَالَةٍ[٢].
أَ تَقُولُونَ مَاتَ مُحَمَّدٌ فَخَطْبٌ جَلِيلٌ، اسْتَوْسَعَ وَهْيُهُ[٣]، وَ اسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ[٤]، وَ فُقِدَ رَاتِقُهُ، فَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَ اكْتَابَ خِيَرَةُ اللَّهِ لِمُصِيِبَتِهِ، وَ أَكْدَتِ الْآمَالُ[٥]، وَ خَشَعَتِ الْجِبَالُ، وَ أَضْيَعَ الْحَرِيمُ، وَ أُذِيلَتِ[٦] الْحُرْمَةُ بِمَوْتِ مُحَمَّدٍ، فَتِلْكَ نَازِلَةٌ أَعْلَنَ بِهَا كِتَابُ اللَّهِ فِي أَفْنِيَتِكُمْ مُمْسَاكُمْ وَ مُصْبَحَكُمْ هُتَافاً. وَ لَقَبِلَ مَا خَلَتْ بِهِ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ وَ رُسُلُهُ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ[٧].
أَ بَنِي قَيْلَةَ[٨]، أُهْتَضَمُ تُرَاثَ أَبِي وَ أَنْتُمْ بِمَرْأًى وَ مَسْمَعٍ! تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وَ يَشْمَلُكُمُ الْجُبْنُ، وَ فِيكُمْ الْعُدَّةُ وَ الْعَدَدُ، وَ لَكُمُ الدَّارُ وَ الْجُنَنُ[٩] وَ أَنْتُمْ نُخْبَةُ اللَّهِ الَّتِي امْتَحَنَ، وَ نِحْلَتُهُ الَّتِي انْتَحَلَ، وَ خِيَرَتُهُ الَّتِي انْتَخَبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَنَابَذْتُمْ فِينَا الْعَرَبَ، وَ نَاهَضْتُمُ الْأُمَمَ وَ كَافَحْتُمُ الْبُهَمَ، لَا نَبْرَحُ وَ تَبْرَحُونَ، وَ نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ، حَتَّى دَارَتْ بِنَا
[١] السّنّة: الغفلة« اساس البلاغة- و سنّ-: ٤٩٩».
[٢] عجلان ذا إهالة: مثل معروف، يراد به ما أسرع ما كان هذا الأمر! و فيه ثلاث كلمات: سرعان، عجلان، و شكان، انظر، جمهرة الأمثال ١: ٥١٩، مجمع الامثال ١: ٣٣٦.
[٣] الوهي: الشّقّ أو الخرق في الشّيء« لسان العرب- و هي- ١٥: ٤١٧».
[٤] يقال: طعنة طعنة أنهر فتقها: أيّ وسعه« لسان العرب- نهر- ٥: ٢٣٧».
[٥] أكدى الرّجل: أخفق و لم يظفر بحاجته« اساس البلاغة- كدى-: ٣٨٩».
[٦] اذيلت: اهينت« اساس البلاغة- ذيل-: ١٤٨».
[٧] آل عمران ٣: ١٤٤.
[٨] أرادت الأوس و الخزرج، قبيلتي الانصار، و قيلة: اسم أم لهم قديمة، و هي قيلة بنت كاهل« النّهاية- قيل- ٤: ١٣٤».
[٩] الجنن هنا الدّار أيضا، و يقال لكلّ ما ستر: جنّ و أجن.
و لعلّها الجنن بالضّمّ، جمع الجنّة، و هو كلّ ما واراك من السّلاح و استترت به، انظر« لسان العرب- جنن- ١٣:
٩٢ و ٩٤». و في« ط»: الخيرة.