إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٩ - تقديم سماحة السيّد هاشم صفيّ الدين حفظه الله
و تضلّ مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها، و قائدها، و سائقها، و مناخ ركابها، و محطّ رحالها، و من يقتل من أهلها قتلا، و من يموت منهم موتا»[١]... فأيّ علم هذا؟ و أيّ كلام هذا؟ إنّه لا يصدر إلا عن باب مدينة علم رسول الله و هو ذو ألف ألف باب.
إنّ أيّ طالب للعلم و المعرفة لا يستغني عن الرجوع إلى أمير المؤمنين عليه السّلام و هو القادر على إزاحة أغطية العلوم بسلاسة لا نظير لها، و بعمق لا يصل إليه أحد غيره، و بتناسق جميل أخّاذ لا يُحسن نظمه إلا هو، و كلّما تمعّنت في كلامه و قلّبته وجوها تجده أمواجا هدّارة تفيض بالحقّ، و تنبؤ كلّ موجة فيه عن جديد، و تجذبك نحو الشغف إلى المزيد، فإذا وصل عقلك إلى إدراك بعض المراد تجد نفسك مرتاحة و مأنوسة كمن أعطي جائزة لا تقدّر بثمنٍ، إنّ لكلامه عليه السّلام وقعا في القلب لا مثيل له، و أثرا في النفس لا يمحى، و حفرا في الصدور لا يزول، و نورا في العقول تضيء منها كلّ عتمة، و تقتحمها لتملأ وعيا و فهما و نباهة.
إنّنا عاجزون عن بيان ما في نهج البلاغة من قيم عالية و معان تامّة و مقاصد رفيعة، إلا أنّ الذي نفهمه و لو - إجمالا - أنّ التمسّك بنهج البلاغة يؤمن للجميع مرجعا و ركنا و سندا، فيمنحك القوّة حين تضعف، و يكسبك العلم حين تجهل، و يهبك الطمأنينة و الأمان حين تتردّد و توجل، و يفتح لك أبوابا حين تقنط، و يشقّ لك دروبا حين تدلّهم عليك النوائب و تغرقك الفتن و القضايا، و يجلي لك بصرك حين تتداخل الألوان و تزدحم لتحجبك عن الرؤية، و يلهمك البصيرة حين تهجم عليك اللوابس و المضلّات لترديك أو تقعدك، و في الخلاصة هو حاجة كلّ نقص، و حجّة كلّ برهان، و قوام كلّ استقامة، و هداية كلّ أحد.
[١] (م. ن)، الخطبة ٩٣.