إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٨ - تقديم سماحة السيّد هاشم صفيّ الدين حفظه الله
كما أنّه ليس هناك كلام عربي وصل إلينا بعد القرآن الكريم أفضل ممّا جمعه العالم الكبير و الأديب و الشاعر الملهم الشريف الرضي قدّس سرّه في ما أسماه «نهج البلاغة»، و هو بحسب قوله ما اختاره من خطب و رسائل و حكم استحسن تبويبها و تصنيفها من كلام بليغ و فصيح صدر عن سيّد البلغاء الإمام عليّ عليه السّلام.
إنّ كتاب نهج البلاغة و على الرغم من الشروح التي صنّفها العلماء و تناولها الأدباء و المؤرّخون، و وقفوا على النكات البلاغيّة الرائعة و النادرة فيه، فإنّه للأسف لم يأخذ مكانته اللازمة و اللائقة عند أهل العلم، و قد أفضى هذا الأمر إلى حرمان الاستفادة منه كما يجب، و في الوقت ذاته نجد أنّ الذين وفّقهم الله تعالى للاهتمام و الاستفادة منه يسلّمون أنّ المعاني القيّمة التي استخرجوها من هذا السفر الكبير و العميق لا يوازيها شيء، كما أنّ المطّلعين على كوامن السحر و العذوبة و المتانة في اللغة العربية يصابون بالدهشة و الحيرة أمام نصوصه و كلماته الآسرة و الآخذة بمجامع القلوب، و تعجز العقول عن سبر أغواره أو الإحاطة بتمام مقاصده، و يكفيك أنّهم كلّما أعادوا قراءة النصّ فيه يكتشفون جديدا، و كأنّهم يقرأونه للمرّة الأولى، فضلا عن امتلاك معانيه قدرة لا توصف على التأثير في النفوس، و على فتح مديات رحبة نحو عوالم مليئة بالمعارف و الحكم، و هي تنقل القارئ و المطّلع على ضفاف معدن العلم و اليقين، كيف لا؟ و ها هو أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: «و إنّا لأمراء الكلام، و فينا تنشبّت عروقه، و علينا تهدّلت غصونه»[١]، و هو الذي يقول: «ينحدر عنّي السّيل، و لا يرقى إليّ الطّير»[٢]، و هو الذي يقول: «فاسألوني قبل أن تفقدوني، فو الّذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء في ما بينكم و بين السّاعة، و لا عن فئة تهدي مائة
[١] نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٣.
[٢] المصدر نفسه، الخطبة ٣.