فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٦١ - الفص الخامس
ذلك أنفسنا. لأن العلم بالصفات و الأسماء التي يتكوّن منها مفهوم الألوهية لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق العلم بصفات الموجودات الحادثة- بما في ذلك صفاتنا. و هذا في نظره سر الخلق: فإن الحق لم يظهر بصور الموجودات إلا ليعرف- لا في ذاته- بل من حيث كونه إلهاً. يقول الحديث القدسي:
«كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبه عرفوني»: أي كنت ذاتاً أزلية قديمة معرّاة عن النسب و الإضافات فعكستُ جميع ما في هذه الذات من كمالات على مرآة الوجود، فإذا عرفت صور هذه الكمالات و مجاليها عُرفتْ كمالاتي.
بهذا المعنى نقول إن وجود الخلق دليل على وجود الحق، و لكن هناك معنى آخر به نستطيع أن نقول إن الحق عين الدليل على نفسه و على ألوهيته، و هذا لا يكون إلا إذا اعتبرنا أن العالم في ذاته عدم محض لا وجود له إلا بالحق: فإذا علمنا عن طريق النظر في العالم ألوهية الحق، ثم أدركنا أن العالم ليس في الواقع سوى تجلي الحق في صور الأعيان الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه، أدركنا أن الحق عين الدليل على نفسه. و لكن هذا الإدراك ذوقي كشفي كما يقول المؤلف.
و هناك علم كشفي آخر، و هو إدراك صور الوجود في مرآة الحق و إدراك أنه هو الظاهر بجميع هذه الصور مهما تعدّدت و تنوعت صفاتها و أشكالها.
و صاحب هذا الكشف لا يسأل لِمَ فعل به الحق كيت و كيت: لأنه يعرف أن لا اثنينية في الأمر و أن كل ما يظهر به من صفات الوجود إنما هو من مقتضيات عينه الثابتة، فلا يلومن إلا نفسه.
نلاحظ إذن ثلاث درجات من المعرفة يتطور فيها الذوق الصوفي المتجه نحو إدراك الوحدة الوجودية:
ففي الدرجة الأولى ينكشف للسالك معنى الألوهية عن طريق النظر في صفات المألوهية و هي صفات العالم، و يتخذ الصوفي من العالم دليلًا على وجود الحق.