فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٠٦ - الفص الخامس و العشرون
الخاص بشرعه الذي أُرسل به، و هذا لا يعلمه الولي. و من هنا كان من واجب الولي أن يتبع رسول وقته فيما يأتي به شرعه من الأحكام، و إن كان يفهمها على النحو الذي يقتضيه علمه الباطن. أما أن الرسول يعلم العلم الباطن، فدليله أنه معصوم من الخطأ، لأن اللَّه يوجِّه أفعاله حيث يشاء لحكمة عنده مهما كان مظهر هذه الأفعال. و لهذا نبَّه الخضر موسى إلى باطن أفعاله بما قام به هو نفسه من الأفعال التي يدل ظاهرها على الهلاك دون باطنها. ثم شرح له الحكمة في كل منها ليظهر له مقامه في الولاية، و ليبين له الفرق بين العلم الذوقي الباطن، و علم الظاهر.
و السر في أن الرسول يعمد دائماً إلى لسان الظاهر و لا يدرك غيره، أنه مكلَّف بتبليغ رسالته إلى قوم فيهم الخاصة و العامة. و كلاهما يفهم لسان الظاهر و إن انفرد الخاصة بأنهم يفهمون ما يفهمه العامة و زيادة. فخوفاً من أن تتبلبل أفكار العامة و تزل أقدامهم إذا هم عدلوا عن الظاهر و خاضوا في أسرار باطن الشرع، خوطبوا بهذه الطريقة الخاصة و لم يكلفوا فوق ما يطيقون. أما الخاصة من أهل الأذواق فيغوصون، كما يقول، على درر الحكم و يعرفون مراد اللَّه الحقيقي من الأحكام.
هذه لا شك نغمة إسماعيلية دخلت التصوف منذ بدأ الصوفية يبحثون في الشريعة و الحقيقة و الطريقة، و هو موضوع يعقد له القشيري فصلًا خاصاً في في رسالته [١]. و عن هذا الطريق وصل الصوفية إلى نتائج كان لها أكبر الأثر في تشكيل مذهبهم و صبغه بصبغة روحية خاصة ميزتهم في ميدان العقائد عن فرق المتكلمين، و في ميدان المعاملات عن الفقهاء.
(١٦) «فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً» يريد الخلافة، و «جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» يريد الرسالة».
(١٦) يستعمل ابن عربي عادة كلمة «الخليفة» للدلالة على الإنسان الكامل الذي يظهر
[١] الرسالة ص ٧٣