فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٠٥ - الفص الخامس و العشرون
أفعال الإنسان في الصورة، و الروح هو الجزء الباطن غير المحسوس المدبر للجسم الفاعل على الحقيقة لكل ما يصدر عن الإنسان من أفعال.
(١٥) «و لو كان موسى عالماً بذلك لما قال له الخِضْر «ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً».
(١٥) أي أني على علم لم يحصل لك عن ذوق، كما أنت على علم لا أعلمه أنا».
يظهر من جميع ما أورده ابن عربي من قصة موسى مع الخضْر، و الطريقة الخاصة التي خرَّج بها الآيات الواردة عنهما في سورة الكهف، أنه يستعمل الاسمين رمزاً لصاحبي نوعين من العلم: العلم الظاهر الذي يأتي به الأنبياء إلى أممهم و هو علم الشرائع. و العلم الباطن الذي يعلمه الأولياء و هو علم الحقيقة. يقول القاشاني (شرح الفصوص ص ٤١٢): «اعلم أن الخضر عليه السلام صورة اسم اللَّه الباطن، و مقامه مقام الروح، و له الولاية و الغيب و أسرار القدر، و علوم الهوية و الأنية و العلوم اللدنية ... و أما موسى عليه السلام فهو صورة اسم اللَّه الظاهر و له علوم الرسالة و النبوة و التشريع». فالحوار الدائر بين موسى و الخضر ليس قصراً على موسى و الخضر، و لكنه موازنة بين مطلق رسول و مطلق ولي. و قد اعتبر الصوفية دائماً، كما تدل على ذلك عبارة القاشاني، تلك الشخصية الأسطورية الغريبة التي يسمونها «الخضر» من أقطابهم، و نظروا إليه نظرة خاصة من ناحية علمه اللدني الباطن، لأنهم اعتبروه المقصود «بالعبد الصالح» الذي قال اللَّه فيه «وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً». و قد سبق أن ذكرنا أن ابن عربي يعد كل نبي و كل رسول ولياً، لأن الولاية عنصر مشترك بين الثلاثة جميعاً: أي أن كل نبي و كل رسول له مرتبة الولاية أوَّلًا، ثم يضاف إليها مرتبة النبوة إذا كان نبياً و مرتبة الرسالة إذا كان رسولًا. و لكن الفرق بين الولي و الرسول أو النبي أن الولي يعلم العلم الباطن و يدرك أنه يعلمه، في حين أن النبي و الرسول يعلمانه و لكنهما لا يدركان أنهما يعلمانه. و هناك فرق آخر، و هو أن الرسول يعلم علم الظاهر