فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٥٠ - الفص الحادي و العشرون
العالم: إذ ليس للعالم معنى عنده إلا أنه الصفات التي وصف الحق بها نفسه. فعلم الناس باللَّه مستمد من علمهم بالعالم. و الحق المخلوق في الاعتقاد- و هو غير الحق في ذاته- صورة من صور علم الناس بالعالم. و يلزم من هذا أن الرحمة التي وسعت الأسماء الإلهية قد وسعت في الوقت نفسه صور المعتقدات جميعها، أو قد وسعت- كما يقول- الحق المخلوق في الاعتقاد. بعبارة أدق قد وسعت صور الاعتقاد التي قدر لها أزلًا أن تكون صور اعتقاد للناس في اللَّه كما قدر لصاحب كل صورة من صور الاعتقاد أن يخلق هذه الصورة وفقاً لما تجلى في نفسه و في العالم الخارجي المحيط به من الأسماء الإلهية.
أما فكرة خلق الحق في الاعتقاد ففكرة يرددها المؤلف في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، و قد أشرنا إليها في مثل قوله: «فأعلمه فأوجده» و قوله «فاللَّه عبارة لمن فهم الإشارة» و نحو ذلك.
(٨) «فيسأل المحجوبون الحق أن يرحمهم في اعتقادهم، و أهل الكشف يسألون رحمة اللَّه أن تقوم بهم».
(٨) يسأل عامة الناس الذين لا يعرفون الحق إلا بطريق عقولهم اللَّهَ أن يرحمهم في اعتقاداتهم، و هذا هو عين الحجاب، لأن الحق المخلوق في الاعتقاد إنما هو من عملهم من حيث هو صورة من صور علمهم بأنفسهم و بالعالم الذي يعرفونه. فإذا ما دعوا اللَّه أن يرحمهم دعوا في الحقيقة آلهتهم المخلوقة في اعتقاداتهم أن يغفروا لهم ذنوبهم و معاصيهم. أما أهل الكشف الذين يعرفون الحقيقة عن طريق الذوق، فلهم في طلب الرحمة غاية أخرى: و هي أن تقوم الرحمة بهم أي يتحققوا بصفة الرحمة التي هي من صفات اللَّه فيصبحوا راحمين لا مرحومين. و هذا رأي قد يبدو غريباً لأول وهلة، غير أن غرابته سرعان ما تزول عند ما ينظر إليه الناظر في ضوء مذهب وحدة الوجود الذي يقول به المؤلف، لأنه لا فرق في الحقيقة في مثل هذا المذهب بين راحم و مرحوم و لا معنى للاثنينية هناك حيث