فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣١٤ - الفص الخامس و العشرون
(٢١) تكلم عن الأسباب في معرض كلامه عن أعمال فرعون من صلبه الناس و تقطيعه أيديهم و أرجلهم. و رأيه أن الذي فعل كل هذا إنما هو الحق الظاهر بصورة فرعون، لأن الحق هو الفاعل على الحقيقة في صورة كل ما له فعل، إذ هو القائل عن نفسه:
«وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى » (الأنفال آية ١٧). و هذا يثبت في نظر أصحاب وحدة الوجود أمثال ابن عربي، أن الحق هو الفاعل لكل شي ء في صورة كل شي ء. فإذا نسبنا الأفعال إلى الصور الوجودية التي هي أعيان الممكنات سميناها أسباباً، و إذا نسبناها إلى الفاعل الحقيقي الذي هو الحق لم نتكلم عن الأسباب. فالمراد بالأسباب هنا العلل الجزئية التي تحدث أَثرها بين موجود و موجود في داخل الوجود الكلي العام. أما ذلك «الكل» فلا سبب له، أي لا علة لوجوده.
و لا سبيل لتعطيل الأسباب لأنها من مقتضيات العلم الإلهي القديم، أي من مقتضيات أعيان الأشياء الثابتة في العلم الإلهي الأزلي، لأن كل ما يظهر في الوجود يتعين على النحو الذي كان عليه في الثبوت تلك كلمات اللَّه التي لا تتبدل، و كلمات اللَّه هي أعيان الموجودات الثابتة. و هنا يصرح ابن عربي بقدم العالم تصريحاً لا يقل عن تصريح فلاسفة المشاءين، و إن كان يختلف عنهم في تفسير العلاقة بين الحق و الخلق.
فأعيان الموجودات في مذهبه قديمة من حيث ثبوتها، و ينسب إليها الحدوث من حيث وجودها. و يمثل لذلك بمجي ء ضيف في وقت معين، فإننا نقول «حدث عندنا اليوم ضيف»، و لا يلزم من حدوثه أنه لم يكن له وجود من قبل. و كذلك يمثل بما ذكره اللَّه تعالى في «إتيان كلامه» إلى الناس مع أن كلامه قديم. قال تعالى:
«ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ» (الأنبياء آية ٢)، و قال: «وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ» (الشعراء آية ٤). هذه كلها أمثلة يسوقها ليفسر بها ما يقصده من معنى الحدوث. فالعالم قديم لأن له عيناً ثابتة في الأزل، بل هو قديم قدم الذات الإلهية الظاهرة في صوره،