فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٠١ - الفص الخامس و العشرون
و كل اعتقاد مرضي في نظر الحق (راجع الفص الاسماعيلي التعليق الرابع).
و هو يصل إلى هذه النتيجة عن طريقين: الأول بالتجائه إلى فكرته فيما يسميه «الخلق الجديد» و الثاني بتأويله آية «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً».
فهو يرى أن الحق الظاهر في كل لحظة في صورة جديدة من صور الوجود، يظهر كذلك في كل آن في صورة جديدة من صور المعتقدات. فالخلق دائم التجدد في مسرح الوجود، و الحق دائم التجدد في مسرح المعتقدات. و اذن ليس بين المعتقدات الدينية المختلفة خلاف إلا في الصورة. أما في نفس الأمر فكلها مظاهر متجددة لحقيقة واحدة و شريعة واحدة. و ما كان حلالًا في شرع ما لا يكون حراماً في شرع آخر إلا في الصورة. و في الحقيقة ليس هذا عين ذاك، لأن الأمر في خلق جديد، و لا تكرار في الوجود. و يظهر أن كلامه في الحلال و الحرام هنا منصب على الاعتقادات دون المعاملات. و أما الآية، فلما لم يستقم له ظاهرها، عمد إلى طريقة في تفسيرها لا تبررها أساليب اللغة و لا يرتضيها الذوق. فقال: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً» معناه لكل جعلنا منكم شريعة واحدة مهما اختلفت أساليبها و صورها، «وَ مِنْهاجاً» أي و من هذه الشريعة جاء شرعكم. فقسم كلمة منهاجاً- أي طريقاً- إلى كلمتين: منها- أي من هذه الشريعة- جا: أي جاء.
و قد يفهم تفسيره للآية بمعنى آخر على أنه تفسير للوجود لا للشرائع. أي بمعنى أن المراد بالشريعة الطريق، و هو الطريق الأمم الذي ذكره في افتتاح الكتاب (الفصوص)- طريق الوجود العام و هو الحق. و منها جاء أي جاء كل منكم، كما يأتي فرع الشجرة من أصلها، و هو التشبيه الذي ذكره.
فيكون معنى الآية: لكل منكم جعل اللَّه له طريقاً واحداً يسير فيه طريق الوجود الواحد الحق، و من هذا الطريق جاء. و هذا المعنى قد يبرره مذهب المؤلف،