فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٦٥ - الفص الخامس
الموجود: أي بالناحية التي تقتضيها طبيعة أعيان الموجودات الثابتة. أما أمر الحق فالمراد به إعطاء كل شي ء خلقه على حد تعبير الآية القرآنية، أي تحقيق الأعيان الثابتة للموجودات بإظهارها في العالم الخارجي على نحو ما تطلبه طبائعها.
و لكن هذا هو الأمر التكويني لا التكليفي و بينهما فرق هام يبني عليه ابن عربي نتائج بعيدة الأثر في مذهبه. فظهور العاصي بمعصيته خاضع للأمر التكويني لأنه إنما ظهر بفعل اقتضته طبيعة عينه الثابتة و قضى اللَّه أن يكون ذلك كذلك من الأزل. و لكن الذي اقتضته طبيعة العين الثابتة و قضى به اللَّه «فعل» فقط لا يوصف في ذاته بأنه معصية أو طاعة: و لذلك يجب ألا يقال إن اللَّه قدّر المعصية أزلًا و قضى بظهورها: و إنما سُمّي معصية عند ما قيس بالمقاييس الدينية التي هي الأوامر التكليفية. هذه مسألة سيعرض لها المؤلف في موضع آخر عند كلامه عن فرعون الذي يرى أنه أطاع الأمر التكويني و إن كان قد عصى الأمر التكليفي.
أما إذا وصفنا كل أمر بأنه تكليف، فيلزم أن نقول إن الخلق مكلَّف من قِبَل الحق، و إن الحق مكلَّف من قِبل الخلق. و لكن جرى العرف بإطلاق هذا الوصف على الخلق دون الحق، و هذا معنى قوله: «غير أنك تُسمى مكلّفاً:
و ما كلفك إلا بما قلت له كلفني بحالك، و بما أنت عليه. و لا يسمى (أي الحق) مكلّفاً- اسم مفعول».
(٨) «فيحمدني و أحمده» الأبيات.
(٨) تشير هذه الأبيات إلى الموازاة التامة بين الحق و الخلق اللذين هما وجها الحقيقة المطلقة. و ياء المتكلم هنا كناية عن الخلق و هاء الغائب كناية عن الحق.
الحمد و العبادة متبادَلان بين الحق و الخلق: فالحق يحمد الخلق و يعبده بإفاضة الوجود عليه، و الخلق يحمد الحق و يعبده بإظهاره كمالاته في الوجود الخارجي. و في استعمال كلمة العبادة في جانب الحق شي ء من الشناعة، و لكن