فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٩٣ - الفص السابع
و من جهة نظر الشرع كل موجود سوى اللَّه «عبد».
أما قوله «فكل عقد عليه شخص يحله من سواه عقد» فمعناه أن كل عبد يعتقد اعتقاداً خاصاً في ربه يستمده من النظر في نفسه، و بذلك اختلفت الاعتقادات في الأرباب كما اختلفت الأرباب. و لكن الاعتقادات كلها صور من معتقد واحد: كما أن الأرباب كلها صور في مرآة رب الأرباب. قال ابن عربي يشير إلى العقيدة الصحيحة التي يعتبرها أساساً لكل العقائد:
|
عقد الخلائق في الإله عقائداً |
و أنا اعتقدت جميع ما عقدوه |
|
(٩) «فتقابلت الحضرتان تقابل الأمثال و الأمثال أضداد».
(٩) المراد بالحضرتين حضرتا العبودية و الربوبية. و قد تقابلتا تقابل الأمثال من حيث أنهما اشتركتا في الوجود الإلهي- و إن اختلفتا بالتعين و الاعتبار- و كذلك اشتركتا في أن كلا منهما راضية مرضية. أما قوله «و الأمثال أضداد» فمعناه أن المثلين لا يمكن أن يتفقا في جميع الصفات و إلا كانا شيئاً واحداً، بل لا بد من تغايرهما من وجه من الوجوه. فكل مثلين إذن متحدان من ناحية، متغايران من ناحية أخرى، و هذا هو معنى تقابلهما بالتضاد. و لذلك لم نقل إن العبد رب و إن الرب عبد إطلاقاً، بل بينا جهة الاعتبار و وضحنا جانب العبودية و جانب الربوبية في كل حالة.
و لكنه بعد أن أثبت وجود الأمثال و الأضداد في عالم الكثرة أراد أن ينفيهما في عالم الوحدة، فقال «فما ثم مثل» أي فما توجد مماثلة حقيقية بين حضرتي الربوبية و العبودية لتمايزهما. و لما كان الوجود منحصراً في هاتين الحضرتين قال فما في الوجود مثل: أي فما في الوجود الحقيقي مماثلة، كما أنه ليس فيه تضاد لأن التضاد نوع من التماثل لاشتراك الضدين في الضدية. و خلص من ذلك كله إلى أن الوجود كله حقيقة واحدة و الحقيقة الواحدة لا تضاد فيها.
و لهذا قال:
|
فلم يبق إلا «الحق» لم يبق كائن |
فما ثم موصول و ما ثم بائن |
|