فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٩٢ - الفص السابع
الوجوه. بل إنه لا يقنع العقل و لا يبعث الطمأنينة في القلب لأنه سلسلة من صفات السلب، و المعرفة السلبية معرفة بلا شي ء.
أما المعرفة الثانية فهي أكمل المعرفتين إذ هي وليدة النظر في النفس و استكناه صفاتها، ثم التحقق بأنها صورة خاصة أو مجلى خاص من مجالي الحق، و أن فيها- من هذه الحيثية- قد تجلت كل الصفات الكمالية للحق.
فالمعرفة الأولى هي معرفة الإنسان بالحق عن طريق معرفته بنفسه، و الثانية هي معرفة الإنسان بالحق عن طريق معرفته بنفسه التي يتجلى فيها الحق. و في الأولى يعرف الإنسان نفسه على أنها خلق فقط. أما في الثانية فيعرفها على أنها خلق و حق معاً.
(٨)
|
«فأنت عبد و أنت رب» |
الأبيات.
(٨) هذه نتيجة لازمة لما سبق. لكل موجود- بما في ذلك الإنسان- ناحيتان:
ناحية العبودية و ناحية الربوبية. فهو عبد بمعنى أنه المحل الذي يظهر فيه حكم رب من الأرباب (الأسماء الإلهية). و يعرف كل عبد ربه الخاص بالنظر إلى ذاته الخاصة و التأمل في صفاتها. و هذه هي المعرفة الأولى التي أشرنا إليها سابقاً.
و لكنه من ناحية أخرى رب لربه: و هذا معنى قوله: «و أنت رب لمن له فيه أنت عبد». و ذلك لظهور حكم العبد في الرب- أي في الاسم الإلهي المتجلي فيه. هذا إذا فهمنا كلمة «رب» بالمعنى الذي يستعملها فيه ابن عربي غالباً و هو أي اسم من الأسماء الإلهية. و لكن هناك معنى آخر به نستطيع أن نسمي الإنسان أو أي موجود من الموجودات عبداً و رباً معاً. و يظهر أن هذا المعنى هو المشار إليه في البيتين الباقيين. الإنسان رب من حيث هويته التي هي إحدى تعينات هوية الحق، و هو عبد من حيث انه مخاطب بلسان الشرع: و هو المشار إليه بخطاب العهد في قوله تعالى: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلى !» (قرآن س ٧ آية ١٧١).
فمن وجهة نظر أصحاب وحدة الوجود كل إنسان- بل كل موجود «رب»: