فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٤٦ - الفص الرابع
و يبحث هذا الفص في بعض نواحي المسألة الكبرى التي بحث فيها الفص السابق، أعني مسألة التنزيه الإلهي، و لذلك سمي بالحكمة القدوسية في حين سمي سابقة بالحكمة السبُّوحية: و القدوس و السبُوح من أسماء اللَّه و معناهما المنزه، و إن كانوا يقولون إن القدوس أخص في معنى التنزيه من السبّوح و أبلغ: إذ التسبيح تنزيه اللَّه عن الشريك و عن صفات النقص كالعجز و أمثاله، في حين أن التقديس تنزيه اللَّه عما سبق و عن كل صفات الممكنات و لوازمها- حتى كمالاتها- و عن كل ما يتوهم و يتعقل في حقه تعالى من الأحكام الموجبة للتحديد و التقييد.
بعبارة أخرى التقديس هو نهاية التجريد، و لا يقول به إلا النفوس المجردة التي لا صلة لها بالعلائق المادية. و لذلك نسب في هذا الفص إلى إدريس، و هو النبي الذي رفعه اللَّه إلى السماء بعد أن خلع عنه بدنه و قطع علاقته بالعالم المادي كما تقول بذلك الأخبار. و الفرق بين تنزيه نوح و تنزيه إدريس أن تنزيه الأول عقلي و تنزيه الثاني ذوقي.
و الذي لا شك فيه عندي أن ابن عربي لا يذكر نوحاً أو إدريس أو غيرهما من الأنبياء، على أنها شخصيات تاريخية حقيقية، و لا يصورها لنا التصوير الذي نعرفه في القرآن أو غيره من الكتب المقدسة، و إنما هي مثل يضربها و أدوات يستخدمها في شرح أجزاء مذهبه. فليس نوح عنده إلا مثالًا للرجل الذي يقول بتنزيه اللَّه تعالى متبعاً في ذلك مجرد العقل، غير ناظر إلى ما ورد في القرآن من آيات التشبيه، و غير مؤمن بأن للحق صوراً و مجالي في الوجود العالمي. و ليس إدريس عنده كذلك إلا مثالًا لما يمكن أن تكون عليه النفس المجردة في موقفها من اللَّه. و هذه النفس- إن وجدت- لا يمكن أن تقف من اللَّه إلا موقف التقديس بالمعنى الذي شرحناه.
(٢) العلو: (٢) و من لوازم القول بالتقديس وصف اللَّه بالعلو: و هو وصف ورد في القرآن